المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

ضد السفر: كيف يصنع السياح وهم التجربة والتحول


الاحد 6 سبتمبر 2026 à 01:47 |




تبدو عبارة «أحب السفر» من أكثر العبارات تداولاً وأقلها دلالة على شخصية قائلها، إذ تكاد تكون تفضيلاً عاماً يردده كثيرون باعتباره علامة على الانفتاح والتجربة. غير أن هذا التصور لا يحظى بإجماع تاريخي أو فكري. فقد أبدى عدد من الكتّاب والفلاسفة تحفظاً واضحاً على السفر، من بينهم غلبرت كيث تشيسترتون ورالف والدو إمرسون، فيما عاش سقراط وإيمانويل كانط ضمن نطاق جغرافي محدود نسبياً. أما الكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا، فذهب أبعد من ذلك حين عبّر في كتابه «اللاطمأنينة» عن نفور شديد من الأمكنة الجديدة ومن فكرة الانتقال نفسها، رابطاً الحاجة إلى الترحال بنقص في الخيال أو القدرة على الإحساس. وهذا ما تناقشه بالتفصيل الفيلسوفة أغنس كالارد في مقالها بمجلة نيويوركر.



ينطلق المقال من دعوة إلى النظر في أسفار الآخرين بدلاً من الاكتفاء بتجاربنا الشخصية. فالأنشطة التي نصفها عادة بالسياحية هي، في الغالب، ما نراه في ممارسات الآخرين ولا نرغب في نسبته إلى أنفسنا. كما أن حكايات الرحلات، رغم شيوعها، لا تستثير اهتمام المستمعين دائماً، لأن حاجتها الأساسية قد تكون لدى من يرويها، لا لدى من يتلقاها. ومن هنا يضع الكاتب موضع تساؤل الاعتقاد الشائع بأن السفر يجعل الفرد أكثر ثقافة واتصالاً بالعالم وبالناس.


ويميز النص بين سفر تفرضه الضرورة أو العمل أو الدراسة أو الواجب، وبين سفر يقوم على البحث الاختياري عن التجارب اللافتة. فالأول لا يندرج، في هذا التصور، ضمن السياحة بالمعنى المقصود. أما السياحة فتقوم على الرغبة في مغادرة المكان المعتاد بحثاً عن التغيير، لكن هذا التغيير لا يقتصر أثره على الزائر. ويستند المقال إلى تعريف أنثروبولوجي للسائح بوصفه شخصاً يزور، في وقت فراغه، مكاناً خارج محيطه ليختبر اختلافاً ما، قبل أن يلفت إلى أن المجتمعات المستقبلة قد تكون هي التي تتغير فعلياً تحت وطأة حضور الزوار ومتطلباتهم.


ويضرب الكاتب مثالاً من تجربة شخصية في أبوظبي، حين زار مستشفى للصقور ضمن جولة منظمة، والتقط صورة مع صقر رغم عدم اهتمامه بالصقارة أو بالحيوانات. لم يكن الدافع رغبة في فهم هذا العالم أو مواصلة الاهتمام به، بل لأن الزيارة تندرج ضمن ما يُنتظر من السائح أن يفعله في المدينة. ويخلص من ذلك إلى أن الانتقال إلى مكان لا يهم الزائر ولا يرغب في أن يهتم به لا يتجاوز، في جوهره، مجرد الحركة من موقع إلى آخر.


وتتجلى هذه النزعة في المرور السريع بالمواقع المعروفة. فالسائح يقول إنه زار فرنسا ثم متحف اللوفر ثم شاهد لوحة الموناليزا، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه أقام علاقة فعلية بالعمل الفني أو بالمكان. ويشير المقال إلى أن السفر يدفع الناس أحياناً إلى تعليق معاييرهم المعتادة بشأن ما يستحق الوقت أو الاهتمام؛ فقد يقضي المرء أياماً في التجول لمجرد التجول، أو يدخل متاحف لا يزورها في حياته اليومية، أو يتناول ما لا يرغب فيه، انطلاقاً من فكرة أن الرحلة ينبغي أن تخرجه من عاداته.


ويستحضر الكاتب أمثلة من نص ووكر بيرسي «فقدان المخلوق» لإظهار كيف يصل السائح إلى المكان محملاً بصورة مسبقة عنه. فإذا طابق المشهد ما شاهده في البطاقات والصور شعر بالرضا، وإذا خالف توقعاته أحس بأن التجربة ناقصة. وفي مثال آخر، لا تكتمل لدى زوجين تجربة مهرجان في المكسيك إلا حين يرافقهما مختص قادر، في نظرهما، على منحها صفة الأصالة. ويعرض المقال هذه الحاجة إلى التصديق الخارجي بوصفها نوعاً من التبعية لأفكار جاهزة حول ما يجب رؤيته والإحساس به.


ولا يقتصر النقد على تلقي الأماكن والآثار، بل يمتد إلى العلاقة بالبشر. فالسائح قد يراقب سكان باريس باحثاً عن ملامح «الفرنسية» في لباسهم وسلوكهم، وهو ما يحوله إلى متفرج أكثر منه طرفاً في علاقة إنسانية. وفي مقابل ذلك، يلمح المقال إلى تصور لدى بيسوا وتشيسترتون يتيح معرفة الآخرين ومحبتهم من مسافة، عبر إدراك ما يجمع البشر في العمل والحب والموت، لا عبر التعامل معهم بوصفهم مشاهد محلية.


وينتهي النص إلى أن السائح يعود غالباً إلى نقطة انطلاقه من دون التحول العميق الذي يزعمه الخطاب الشائع عن الرحلات. فالسفر، بخلاف الهجرة أو الدراسة أو العمل أو الوقوع في الحب، لا يضع صاحبه أمام مصير مجهول، لأنه يبدأ وهو يعلم أنه سيعود إلى حياته واهتماماته السابقة. ولذلك يشبهه الكاتب بالمرتد الذي يرجع إلى المكان نفسه، ويرى أن قيمته الرمزية قد تكمن في تقسيم رتابة الحياة إلى ما قبل الرحلة وما بعدها، وفي تأجيل مواجهة القلق المرتبط بتكرار الأيام وفناء الإنسان.




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97891760/d...



Rss
Twitter
Newsletter