يطرح هذا الملف الاستراتيجي، الصادر عن معهد "هوريزونس" الجيوسياسي تحت عنوان "من يعرف المغرب؟"، إشكالية سيادة المعرفة وقدرة المغرب على إنتاج سرده الخاص وتفسيره ونشره. وتذهب الدراسة إلى أن الهشاشة المغربية لا تكمن أساساً في نقص المعرفة بالبلاد، بل في عجز لا يزال قائماً عن تحويل هذه المعرفة إلى سلطة تفسيرية، وإلى انتشار دولي، وإلى تأثير في أجندة الإعلام والفكر العالميين.
تصوغ الدراسة معادلتها المحورية على النحو التالي: الأجندة، فالمعرفة، فالتفسير، فالسلطة، فالسرد، فالانتشار، فالتوقيت، فالتأثير. وتؤكد أن امتلاك البيانات أو توفر الباحثين لا يكفيان وحدهما، بل لا بد أيضاً من وسائل إعلام ومراكز فكرية ومنشورات ومنصات متعددة اللغات وخبراء ذوي حضور، وقنوات مشروعية قادرة على فرض القراءة المغربية كمرجع معترف به.
هيكلة الملف تقوم على تسع محاور متتابعة:
معرفة قبل الفعل، وتتناول الاهتمام الأوروبي المتنامي بالإمبراطورية المغربية بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛
فالمنتجون الأوروبيون للمعرفة، من مستكشفين وعملاء ودبلوماسيين وأطباء ومراسلين ومستشرقين؛
فالملاحظة والتمثيل، أي كيفية صياغة الأوصاف والصور لأطر قراءة المغرب؛
فوسائط النقل، ودور الروايات والخرائط والصحافة والجمعيات العلمية والتصوير الفوتوغرافي والبطاقات البريدية؛
فالتأثير والتدخل، والعلاقة غير الآلية بين تراكم المعرفة والاختراق الاقتصادي والحماية؛
فالمغرب المعاصر وعودته كموضوع رئيسي للتحليل الدولي؛
فمحور "من يعرف المغرب؟" وتوزيع الأدوار الحالي بين إنتاج البيانات والتفسير والأجندة والتوقيت؛
فالعقيدة وأبعادها الست لسيادة المعرفة؛
وأخيراً المرونة المعرفية وسبل تقليص التبعية للأطر والسرديات والإيقاعات المفروضة من الخارج.
لا يزعم الجزء التاريخي من الدراسة أن المعرفة الأوروبية وحدها هي التي "تسببت" في فرض الحماية على المغرب سنة 1912، بل يعرض آلية تراكمية: فرسم الخرائط، وروايات الرحلات، والملاحظات الإثنوغرافية، والمعلومات العسكرية، والشبكات الدبلوماسية، والتمثيلات الثقافية، كلها عوامل قلّصت من عدم اليقين لدى القوى الأوروبية إزاء المغرب.
وتستشهد الدراسة بعدة شخصيات كنماذج توضيحية:
- دومينغو باديا إي ليبليش، المعروف بعلي باي العباسي، الذي قاد بعثة إسبانية سنة 1803 بهوية مسلمة مفترضة، قُدّمت بوصفها علمية رغم ارتباطها بمصالح مانويل غودوي;
- وخوسيه ماريا دي مورغا، الملقب بالمورو البسكاي، الضابط الإسباني السابق الذي عاش في المغرب متنكراً في هيئة حاج ونشر ملاحظات إثنوغرافية بعد عودته;
- وخواكين غاتيل إي فولش، المعروف بقائد إسماعيل، المستكشف والمستعرب الإسباني الذي وصفته بعض المصادر التي استندت إليها الدراسة بأنه كان جاسوساً أيضاً;
- وشارل دو فوكو، صاحب كتاب "استطلاع في المغرب"، الذي يُعرض عمله الجغرافي والإثنوغرافي كعمل بارز، بينما تُترك احتمالات ارتباطه المباشر بالمصالح الفرنسية في خانة الفرضية الحذرة;
- ووالتر هاريس، مراسل صحيفة "التايمز"، الذي يُقدَّم بوصفه أقوى مثال على تحويل المعرفة الميدانية إلى سلطة إعلامية دولية;
- وغيرهارد رولفس، الطبيب والمستكشف الألماني الذي أسهمت رحلاته وخرائطه وأوصافه في تنامي الاهتمام الأوروبي بالمغرب.
وهكذا تميّز الدراسة بشكل مفيد بين النوايا الفردية لأصحاب هذه المسارات، سواء كانت علمية أو تجارية أو شخصية أو عسكرية أو دبلوماسية أو صحافية، وبين النتيجة الجماعية المتمثلة في تراكم معرفي قابل لأن تعبّئه القوى الكبرى لاحقاً.
تضع الدراسة عقيدة تقوم على ست أبعاد لسيادة المعرفة:
- أولاً، السيادة المعرفية: أي معرفة المجتمع والإقليم والتاريخ والمؤسسات انطلاقاً من قدرات وطنية متينة;
- ثانياً، السيادة التفسيرية: أي إنتاج أطر تحليلية ومفاهيم قابلة للاعتراف بها في الخارج;
- ثالثاً، السيادة السردية: أي القدرة على رواية الواقع الوطني دون ترك فاعلين آخرين يحتكرون السرديات المهيمنة;
- رابعاً، سيادة النشر: أي تعميم التحليلات والبيانات والسرديات باللغات والصيغ والفضاءات التي يتشكل فيها الرأي العام;
- خامساً، سيادة الأجندة: أي المشاركة في تحديد المواضيع والأسئلة وأولويات النقاش;
- سادساً، السيادة الزمنية: أي استباق الجدالات وعدم الاكتفاء بالرد المستعجل على تسلسلات تُطلق من الخارج.
وتشدد الدراسة على نقطة بالغة الأهمية بالنسبة للإعلام والمشاريع التحريرية، وهي أن التحليل الرصين المحصور في تقرير أو مؤسسة أو منشور محدود الانتشار لا يكتسب تلقائياً صدى عمومياً، إذ لا بد أن ترافق جودة المضمون بنية تعريف وتوزيع فعّالة.
المصدر : https://lemaroc.articlophile.net/almghrb/i/9781057...










