التصوف والسياسة في قراءة للجهادية
تبحث المحللة النفسية الفرنسية سوزان جينيستيه-دلبري في مقالها «العلاقة الخطرة بين التصوف والسياسة» في الآليات التي تجعل بعض أشكال التدين المتطرف ملتقى بين المعاناة الاجتماعية، والبحث عن الهوية، والتطلع إلى نقاء ديني متخيَّل. وتنطلق الكاتبة من سياق الاعتداءات التي شهدتها باريس وبروكسل، لتقترح قراءة تعتبر الظاهرة الجهادية ذات سمات قريبة من الانحرافات الطائفية، من دون أن تجعلها مرادفة للإسلام أو تختزلها في خلفية دينية واحدة.
وترى جينيستيه-دلبري أن الصلة بين البعد الديني والبعد السياسي تكتسب خطورتها حين تتحول المطالب بالعدالة الاجتماعية إلى مشروع خلاص ذي طابع مسياني، وحين يُقدَّم الرجوع إلى أصل ديني نقي بوصفه أفقاً للمستقبل. ووفق هذا المنظور، لا يتعلق الأمر فقط بتأثير خطاب أو قائد، بل بالاستعداد النفسي والاجتماعي الذي يدفع أفراداً إلى الانضمام إلى جماعة تمنحهم هوية متماسكة ومكاناً في العالم ووعداً بإصلاح ما يرونه خللاً في واقعهم.
وتناقش الكاتبة أطروحات فتحي بن سلامة حول «فائق الإسلام»، الذي يرتبط لديه بالشعور بالذنب والتضحية والتطهر والسعي إلى حياة متجانسة. لكنها تتحفظ على استبعاد مفهوم الطائفة من تحليل الجهادية، معتبرة أن هذا المفهوم يمكن أن يظل مفيداً في فهم البحث عن أصل مثالي واستعادة هوية متصدعة. وتشير إلى أن نسبة معتبرة من المتطرفين هم من المتحولين إلى الإسلام، بما يجعل الظاهرة أوسع من قضايا الهجرة أو الانتماء العائلي إلى الإسلام.
وتربط الدراسة بين التطرف وتجارب الإقصاء الاجتماعي والعنصرية اليومية وفشل السياسات العامة في توفير أفق للشباب. وهي تركز خصوصاً على بعض الشباب الفرنسيين أو البلجيكيين ذوي الأصول المهاجرة، من دون أن تعتبر أوضاع الضواحي مطابقة للفقر المدقع الذي عرفته أحياء السود في الولايات المتحدة خلال عقود سابقة. إلا أنها ترى أن الإحساس بالابتعاد عن الثروة المعروضة في الإعلام والإعلان، إلى جانب الخبرات المتراكمة للمنفى والاستعمار والتمييز، قد يساهم في بناء شعور بالانفصال عن الجماعة الوطنية.
وتستحضر جينيستيه-دلبري تجربة «معبد الشعوب» بقيادة جيم جونز في غويانا سنة 1977، بوصفها مثالاً على التقاء خطاب سياسي-ديني مع جماعة تشعر بالتهميش وتبحث عن مجتمع مثالي. ولا تقيم الدراسة تطابقاً تاريخياً بين الحالتين، لكنها تستخدم هذا المثال لإبراز أن النزعات الطائفية لا تنحصر في دين بعينه، وأنها قد تظهر عندما تقترن التجربة الروحية بمطالب اجتماعية وسياسية غير محققة.
وفي مقاربتها للبعد الصوفي، تستند الكاتبة إلى أعمال ميشال دو سرتو حول التصوف في القرنين السادس عشر والسابع عشر. وتفرق بين التجارب الصوفية التي استطاعت تحويل التناقض الداخلي إلى كتابة ورحلة روحية وإنتاج رمزي، وبين مسارات ترى فيها عجزاً عن تحويل الموت إلى استعارة أو لغة. ومن هذا المنطلق، تفترض أن العنف الجهادي لا ينجح في جعل الموت موضوعاً للتمثيل أو التعبير، بل ينقله إلى الفعل الواقعي، حيث يصبح جسد المنفذ والضحايا جزءاً من منطق التدمير.
وتخلص الدراسة إلى أن التعامل مع الشباب المنخرطين في الجهادية باعتبارهم غرباء بالكامل عن المجتمع الذي نشأوا فيه يحجب أبعاد الظاهرة. فبحسب الكاتبة، تكشف هذه المسارات أيضاً عن أزمة أوسع في قدرة المجتمعات المعاصرة على الكلام عن الموت والجسد والحب والرغبة خارج التبسيط العلمي أو الاستهلاكي.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98253029/dirasa-fara...










