المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

دراسة تربط نشأة الفكر الإنساني بالحاجة إلى المعنى والمطلق


السبت 10 أكتوبر 2026 à 09:05 |




الفكر والمعتقدات بين اللاوعي والدين

تبحث المحللة النفسية بيا دي سيلفستريس في أصول الفكر والمعتقدات الإنسانية من خلال وصل مسارات الفلسفة والتحليل النفسي والأنثروبولوجيا وعلوم الأعصاب. وتنطلق من سؤال الحاجة البشرية المستمرة إلى معنى شامل وإلى ما يتجاوز التجربة المباشرة، معتبرة أن مفاهيم المطلق والحقيقة والأساس الميتافيزيقي تبدلت في تاريخ الفلسفة، بينما بقيت الحاجة إلى تثبيت الإنسان داخل تصور أوسع للوجود حاضرة بأشكال متعددة.



وتعرض الكاتبة فرضية تربط بداية الحياة النفسية بالمراحل الأولى للتكوين البيولوجي. فمع تشكل الحواس لدى الجنين، يبدأ الكائن الحي في تلقي مؤثرات خارجية والسعي إلى الاستجابة لها. وفي الحالة الإنسانية، ترى أن هذه الاستجابة تأخذ شكل بحث متواصل عن المعنى، بما يساهم في بناء البعد النفسي للكائن قبل الولادة وتأهيله للعلاقة بالعالم لاحقا. وتستند في ذلك إلى تصورات ترى أن الخبرات الحسية التي تجد معنى وتتكرر تأكيداتها تسهم في تشكل الوعي، فيما تبقى خبرات أخرى خارج نطاقه.


وفي مقابل هذا المسار، تتناول دي سيلفستريس الفكر الديني بوصفه محاولة لإضفاء المعقولية على الوجود عبر إحالة العالم إلى كيان ميتافيزيقي غير قابل للمعرفة المباشرة. وتقترح أن هذا النمط من التفكير قد يرتبط بصعوبة احتمال المجهول وبالحاجة إلى احتوائه. كما تربط ظهور الأديان، في قراءتها النفسية، بوظائف دفاعية تسعى إلى تنظيم الدوافع والاضطرابات الداخلية، عبر منظومات من المحرمات والطقوس والتقاليد.


وتقارن الدراسة بين فرضية الإله وفرضية اللاوعي في التحليل النفسي. فالأولى تتجه من المحدود إلى اللامحدود، فيما تركز الثانية على انتقال القوى البيولوجية إلى خبرة نفسية داخل حدود التجربة الإنسانية. وتؤكد الكاتبة أن اللاوعي لا يظهر في ذاته، بل يستدل عليه من خلال الأحلام، وزلات اللسان، والأفكار الملحة، والانفعالات غير المفسرة، والأعراض، واتجاهات التفكير. ومن هنا، قد يلتبس اللاوعي لدى بعض الأفراد بأوامر دينية أو بحضور الأسلاف، نظرا إلى طابعه الخفي واعتماده على استدلال غير مباشر.


وتتوقف الدراسة عند تاريخ المؤسسات التحليلية بعد وفاة سيغموند فرويد، مشيرة إلى أن بعض مراحل الانقسام والصراع حول الإرث النظري أفرزت أشكالا من الحراسة العقائدية. وتعرض الكاتبة هذا المسار بوصفه ميلا إلى تحويل الفرضية التحليلية إلى عقيدة جماعية، خصوصا لدى من امتلكوا سلطة مؤسسية، قبل أن تشير إلى اتساع التعدد النظري والعلاجي داخل التحليل النفسي المعاصر.


وتستعين دي سيلفستريس بأعمال جيرالد إدلمان لشرح تشكل الدماغ والذاكرة. فالتجارب الحسية الأولى، بحسب العرض الوارد في المقال، تترك آثارا في شبكات عصبية تتقوى أو تضعف تبعا للتكرار والاستجابة الحركية وقيم المكافأة والعقاب الموروثة. وتتحول الشبكات الأكثر ثباتا إلى خرائط للتعرف والاستجابة، فيما قد تضيع خبرات لا تتعزز أو يصعب استدعاؤها لاحقا. وتربط الكاتبة هذه التصورات بمفاهيم التحليل النفسي، ومنها الكبت الأولي والذاكرة الجسدية.


كما تمنح علاقة الطفل ببيئته الأولى مكانة مركزية في نشوء الذات. واستنادا إلى دونالد وينيكوت، تؤكد أن الرعاية المحيطة بالطفل لا تقتصر على الأم وحدها، بل تشمل البيئة التي تسند علاقة الأم بالرضيع. وتعرض تشكل الذات باعتباره نتيجة تفاعل بين الاستعدادات البيولوجية والنفسية للطفل ولمن يرعاه، إضافة إلى عوامل العالم الخارجي غير المتوقعة.


وفي القسم الأخير، تناقش الدراسة تطور التفكير من التصورات السحرية والدينية إلى أنماط أكثر عقلانية، من دون تقديم هذا الانتقال بوصفه خطا تقدميا بسيطا. وتنتقد النظرات الإثنومركزية التي صنفت مجتمعات أخرى باعتبارها بدائية، مستحضرة إسهامات كلود ليفي-ستروس في التأكيد أن الإنسان يمتلك، في مختلف الثقافات، قدرات ذهنية مشتركة. وتنتهي إلى أن الدين والسحر والعقل تمثل محاولات متنوعة لتنظيم الغموض والقلق ومواجهة أسئلة الحياة والموت والهوية، فيما أتاح مفهوم اللاوعي نقل جانب من هذا البحث من المجال الميتافيزيقي إلى مجال الاستقصاء النفسي.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98253382/origines-pe...



Rss
Twitter
Newsletter