في المخيال العام، يرتبط اسم تندوف اليوم بالمخيمات الكبيرة التي تحتضن آلاف اللاجئين الصحراويين وبجبهة البوليساريو التي جعلت من محيطها قاعدة خلفية لنشاطها السياسي والعسكري، غير أنّ هذه الرقعة النائية من الجنوب الغربي الجزائري تحمل تاريخًا أطول وأعقد من صورتها الراهنة كساحة نزاع طويل الأمد حول الصحراء الغربية. فقد تحولت بمرور الزمن من بلدة قوافل متواضعة إلى عقدة توتر إقليمي يتقاطع عندها ما هو إنساني بما هو جيواستراتيجي، في لحظة تشهد فيها المساعدات الدولية الموجهة للاجئين تراجعًا ملحوظًا ينعكس مباشرة على ظروف عيشهم القاسية في عمق الصحراء.
تشير تقارير أممية حديثة إلى تقلص حجم الدعم الإنساني المخصص للاجئين الصحراويين المقيمين منذ عقود في المخيمات المحيطة بتندوف، مع تسجيل انخفاض في مكونات السلة الغذائية بنسب تصل إلى نحو الثلث خلال العامين الماضيين، في سياق ضغط متزايد على موارد وكالات الإغاثة وتزايد عدد الأزمات عبر العالم. ويترجم هذا التقليص إلى تراجع كميات الحبوب والزيوت والمنتجات الطازجة المتاحة لكل أسرة، فضلًا عن قصور واضح في تزويد المخيمات بالمياه الصالحة للشرب مقارنة بالمعايير الموصى بها من المنظمات الدولية المتخصصة. ونتج عن ذلك ارتفاع مؤشرات الهشاشة الصحية، من سوء تغذية مزمن لدى الأطفال إلى نسب مرتفعة من فقر الدم لدى النساء، وهي معطيات تدفع المنظومة الأممية وشركاءها إلى التحذير من انزلاق الأوضاع نحو أزمة أعمق إذا استمر منحنى المساعدات في التراجع.
غير أن فهم وضعية تندوف الحالية يستدعي العودة إلى جذورها كمرحلة من مراحل جغرافيا القوافل العابرة للصحراء الكبرى. ففي أواخر القرن التاسع عشر، كانت البلدة مركزًا صغيرًا خاضعًا لقبيلة التجكانت التي مارست التجارة والحماية المسلحة معًا، مستفيدة من شبكة المسالك التي ربطت تمبكتو ومناطق إفريقيا الغربية بموانئ الأطلسي المغربية مثل موغادور، حيث كانت السلع الصحراوية من صمغ وريش نعام وذهب وعاج تمر عبر محطات متعددة في واحات الجنوب الغربي قبل أن تشق طريقها نحو الأسواق الأوروبية. ومع إعادة إعمار البلدة في خمسينيات القرن التاسع عشر، برزت تندوف كإحدى نقاط التحول في انزياح طرق القوافل نحو الغرب، بعدما أعادت السيطرة الفرنسية على الجزائر توجيه الحركة التجارية بعيدًا عن بعض الممرات التقليدية في عمق الصحراء الوسطى.
لكن صعود قوة كونفدرالية الركيبات، بما لها من امتداد قبلي من ريو دي أورو إلى عمق موريتانيا والصحراء الجزائرية، قلب موازين القوى المحلية، إذ دخلت في مواجهة مع التجكانت وانتهت إلى تغيير تركيبة النفوذ في المنطقة ومصير البلدة نفسها. ومع اتساع الحضور الفرنسي في الصحراء انطلقت حملات استكشافية أوروبية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وصولًا إلى احتلال تندوف عسكريًا في الثلاثينيات من القرن الماضي ضمن استكمال مشروع “تهدئة” المناطق الصحراوية وربطها إداريًا بالمراكز الاستعمارية في الجزائر والمغرب.
منذ ذلك الحين، لم تعد تندوف مجرد واحة على هامش الخرائط، بل غدت نقطة احتكاك بين تصورات متباينة لحدود المجال المغاربي. فمع قيام نظام الحماية الفرنسية في المغرب عام 1912، أثيرت مسألة تبعية المناطق الصحراوية، بما فيها تندوف، في ضوء اتفاقيات سابقة مثل معاهدة لالة مغنية وحدودٍ ظلت خطوطها على الورق أكثر منها على الأرض. وداخل الإدارة الاستعمارية نفسها، تبلور خلاف حول ما إذا كانت هذه الجيوب الصحراوية امتدادًا طبيعيًا للتراب المغربي التاريخي أم مجالًا ينبغي ربطه بالمنظومة الإدارية الجزائرية، وهو نقاش فرنسي ـ فرنسي في جوهره آنذاك، لكنه ترك أثرًا عميقًا على تصورات ما بعد الاستقلال لدى العواصم المغاربية.
مع اقتراب نهاية الحقبة الاستعمارية، ازدادت حساسية تندوف كرمز لجدل الحدود في غرب المتوسط. فمع استقلال المغرب في منتصف الخمسينيات، أُلحقت المدينة إداريًا بإحدى جهات الجنوب المغربي لفترة قصيرة، قبل أن تستقر فيها وحدات من جيش التحرير الوطني الجزائري مطلع الستينيات، مستفيدة من فراغ تركه انسحاب القوات الفرنسية. وقد غذى هذا المسار شعورًا متباينًا لدى جزء من الرأي العام المغربي الذي تابع بقلق انتقال السيطرة الفعلية على منطقة يعتبرها امتدادًا لمجال تاريخي وسلطاني أوسع، في حين رأت السلطات الجزائرية في هذه التطورات تكريسًا لحدود استندت لاحقًا إلى مبدأ “احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار” المعتمد إقليميًا وقاريًا.
اندلاع ما عُرف بحرب الرمال عام 1963 بين المغرب والجزائر منح تندوف بعدًا إضافيًا كموضع احتكاك حدودي مسلح، قبل أن تقود مفاوضات لاحقة إلى تفاهمات ثنائية ومتعددة الأطراف كرست واقعًا جديدًا على الأرض، تعهّد فيه الطرفان بقبول الخطوط القائمة للحدود الدولية بينهما، وذلك في سياق ترتيبات شملت أيضًا موريتانيا وجزءًا من امتداد الصحراء الغربية. ومع ترسخ سيادة الدولة الجزائرية على تندوف، برزت المدينة تدريجيًا كعمق خلفي لملف الصحراء الغربية، ثم كمقر فعلي لمخيمات اللاجئين الصحراويين وقيادة جبهة البوليساريو التي تأسست في سبعينيات القرن الماضي للمطالبة بما تعتبره حق تقرير المصير لسكان الإقليم المتنازع عليه.
اليوم، تتقاطع فوق هذه الرقعة الصحراوية ثلاثة مستويات متزامنة: أناس يعيشون في مخيمات تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الدولية، وسلطة جزائرية تعتبر المنطقة جزءًا من سيادتها الوطنية، وحركة سياسية ـ عسكرية تتخذ من تندوف قاعدة رئيسية لخطابها ومفاوضاتها وتحركاتها الإقليمية. وبين هذه الطبقات المتراصة من التاريخ والجغرافيا والسياسة، تحضر المدينة في الذاكرة المغربية كفضاء سبق أن حظي بولاءات قبلية وسلطانية، وفي المقابل تظهر في التصور الجزائري كجزء من حدود رسمتها اتفاقيات دولية ثم ثبّتها منطق العلاقات بين الدول بعد الاستقلال.
في خلفية هذه التعقيدات، يتواصل الملف الإنساني كعامل حاسم في قراءة حاضر تندوف، إذ تضع تقارير المنظمات الدولية أرقامًا دقيقة لانعكاسات نقص التمويل على التغذية والصحة والقدرة على الصمود لدى سكان المخيمات، في وقت لا تزال فيه التسوية السياسية لقضية الصحراء الغربية بعيدة عن التبلور النهائي. وهكذا تبقى تندوف، بعد قرن ونصف من تحولات القوافل والاستعمار والاستقلال، فضاءً يجتمع فيه تاريخ الحدود المغاربية مع واقع إنساني يومي شديد الهشاشة، في انتظار مسار تفاوضي يعيد صياغة علاقتها بالمحيط ويخفف عبء الانتظار عن سكانها واللاجئين المقيمين حولها.
المصدر
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/95868455/t...

نحو اقتصاد بديل: كوهي سايتو يدعو إلى ثورة في نمط الحياة
