تُظهر نتائج الدراسة أن تجاهل الأصوات المعتدلة يدفع غرف الأخبار إلى البحث عن شخصيات ذات مواقف حادة أو دوغمائية، باعتبارها أكثر انسجاماً مع سرديات النزاع أو الإثارة. هذا الميل يسهم في ترسيخ صور ذهنية تربط الدين بالراديكالية أو بالتوجهات المحافظة المتشددة، إذ يرى نحو 29 في المائة من الجمهور أن التغطيات الإعلامية تعزز هذا الربط. هذا التمثيل الانتقائي لا يعكس التنوع الفعلي داخل المجتمعات، بل يخلق انطباعاً أحادياً يختزل الدين في بعده الأكثر صدامية.
في المقابل، يغيب عن هذه التغطيات حضور الممارسات اليومية الهادئة التي تشكل جوهر التدين لدى غالبية الناس. وتشير البيانات إلى أن 53 في المائة من الجمهور يشعرون بأن الإعلام لا يعكس الدين كعنصر أساسي في الحياة الاجتماعية والثقافية. هذا الغياب لا يُفقد التغطية توازنها فحسب، بل يحرم الجمهور من رؤية صورة قريبة من تجربته الواقعية، ما يعمق الفجوة بين الإعلام والمتلقين.
هذا التوجه ينعكس أيضاً على الحالة النفسية للجمهور، إذ يؤدي التركيز المستمر على النزاعات والخطابات المتشددة إلى خلق شعور عام بعدم الارتياح عند تناول قضايا الإيمان. وتفيد الدراسة بأن 43 في المائة من المشاركين عالمياً يربطون بين التغطية الإعلامية الحالية للدين وبين مشاعر القلق والتوتر، بدلاً من الإحساس بالفهم أو الطمأنينة. ويعني ذلك أن المعالجة الصحفية لا تكتفي بنقل الوقائع، بل تسهم في تشكيل المزاج العام تجاه موضوعات دينية حساسة.
من جهة أخرى، يرتبط تغييب الاعتدال بمنطق اقتصادي داخل المؤسسات الإعلامية، حيث تهيمن مقاييس التفاعل الرقمي على القرارات التحريرية. تميل القصص المثيرة للجدل إلى تحقيق نسب مشاهدة أعلى، ما يدفع إلى تفضيلها على حساب المعالجات المتأنية التي تتطلب وقتاً وعمقاً في الفهم. هذا النمط يعمل كآلية تحد من تناول القضايا الدينية في أبعادها الإنسانية والثقافية، ويجعل التغطية محكومة بإيقاع سريع يفتقر إلى الدقة والتوازن.
وتكشف الأرقام عن مفارقة واضحة بين ما يقدمه الإعلام وما يطلبه الجمهور، إذ يعبر 63 في المائة من الناس عن رغبتهم في محتوى ديني عالي الجودة يعكس تنوع التجارب الإنسانية. غير أن استمرار إقصاء الأصوات المعتدلة يجعل هذا الطلب غير مُلبّى، ما يضعف علاقة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية. كما أن 56 في المائة من الجمهور يبدون استعدادهم للتفاعل مع المنصات التي تقدم تغطية متوازنة، وهو ما يشير إلى فرصة مهنية لا تزال غير مستغلة بشكل كافٍ.
إلى جانب ذلك، يؤدي غياب التمثيل الوسطي إلى إضعاف دور الصحافة في تعزيز التفاهم داخل المجتمعات. فبدلاً من تقديم روايات متعددة تساعد على إدراك التعقيد، يتم اختزال النقاش في مواقف متقابلة تعمق الانقسام. ويرى بعض العاملين في المجال الإعلامي أن مسؤوليتهم تشمل توضيح التصورات وتصحيح الانطباعات، غير أن تغييب الاعتدال يقوض هذا الدور ويحد من قدرة الصحافة على الإسهام في بناء مساحة مشتركة للحوار.
يتحول الدين في التغطية الإعلامية من تجربة إنسانية متعددة الأبعاد إلى موضوع يرتبط أساساً بالنزاع والوصم، وهو تحول يعكس خللاً في التوازن المهني أكثر مما يعكس طبيعة الدين ذاته. هذا الواقع يطرح تحدياً أمام الصحافة المعاصرة لإعادة النظر في معايير اختيار المصادر والزوايا التحريرية، بما يضمن تمثيلاً أدق وأكثر شمولاً يعيد بناء الثقة مع الجمهور.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97280462/taghyib-asw...










