المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

بارت إيرمان ورقوق برمنجهام واستقرار نص القرآن


الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 à 14:53 |




يتعامل الباحث الأميركي بارت إيرمان، المعروف بدراساته في نقد نصوص العهد الجديد، مع الرقوق القرآنية المبكرة بوصفها مادة اختبار فريدة لمقارنة تاريخ انتقال النصين القرآني والمسيحي، ويمنح رقوق مصحف برمنجهام مكانة خاصة في هذا النقاش. فقد ثبّت تحليل الكربون المشع الذي أُجري في مختبر جامعة أكسفورد أن الرقين المحفوظين في جامعة برمنجهام، واللذين يضمان مقاطع من سور الكهف ومريم وطه، كُتبا على رقّ يعود زمنه إلى الفترة ما بين 568 و645 للميلاد، أي إلى نطاق زمني يقترب كثيرًا من حياة النبي محمد والجيل الأول من المسلمين. هذا التأريخ يجعل هذه الرقوق من أقدم الشواهد المادية الباقية على النص القرآني، ويحوّلها إلى نقطة ارتكاز في أي نقاش حول استقرار النص وطرائق نقله في القرن السابع.



قِدم الشاهد المادي وتطابقه مع النص المتداول

يركز إيرمان في تعليقاته على هذه الرقوق على عنصرين متلازمين: قِدم الشاهد المادي وقربه من زمن التأسيس، ثم درجة توافقه مع النص القرآني المتداول اليوم. فالمقاطع المسجلة على رقوق برمنجهام، المكتوبة بخط حجازي مبكر، تتطابق في ترتيب الآيات وبنيتها تركيبًا ومعجمًا مع المصاحف المطبوعة المعاصرة، باستثناء فروق طفيفة في الإملاء لا تمس البنية النصية. من هنا ينبني استنتاجه الأساسي: لو كانت هذه الرقوق، أو غيرها من الشواهد المبكرة، تكشف اختلافات جوهرية تُغيّر بنية السور أو تسقط آيات أو تضيف أخرى، لكان ذلك الحدث نفسه محور تغطية إعلامية واسعة، لأن طبيعة الحقل والاهتمام العام يجعلان أي خلل كبير في التسلسل أو المحتوى خبرًا عالميًا.


استقرار النص القرآني مقابل تنوع نسخ العهد الجديد

يضع إيرمان هذه الملاحظة في مقابل خبرته الطويلة مع مخطوطات العهد الجديد، حيث تُظهر آلاف الشواهد اليونانية واللاتينية والسريانية حجمًا كبيرًا من الاختلافات النصية، يتراوح بين اختلافات إملائية بسيطة وتباينات في ترتيب الجمل وصولًا إلى مقاطع كاملة تختلف صياغتها أو موضعها في التقليد المخطوط. دراسات النقد النصي للعهد الجديد، التي راكمت منذ القرن التاسع عشر أدوات إحصائية وببليوغرافية، تتحدث عن عشرات الآلاف من القراءات المختلفة عبر المخطوطات، حتى لو كان معظمها لا يمس البنية العقائدية مباشرة. في المقابل، تعطي الرقوق القرآنية المبكرة التي تم تأريخها بالكربون المشع، مثل رقوق صنعاء وأجزاء من مصاحف محفوظة في باريس وسان بطرسبورغ، صورة عن تقليد كتابي تَحكُمه درجة عالية من الضبط في ترتيب الآيات ووحدات السور، مع وجود طبقة من الفروق القرائية التي تعامل معها التراث الإسلامي في مصنفات القراءات ومباحث رسم المصحف.


لماذا حافظ القرآن على هذا الاستقرار؟


من هنا ينبثق السؤال الذي يطرحه إيرمان بصورة تاريخية لا عقائدية: ما العوامل التي سمحت لتقليد نسخ القرآن بأن يحافظ على درجة لافتة من الاستقرار النصي، مقارنة بما نراه في تقليد نسخ العهد الجديد؟ جزء من الجواب المحتمل يرتبط بطبيعة البنية المؤسسية في المجتمعات الأولى؛ فالقرآن ارتبط مبكرًا بممارسة التلاوة الجماعية في الصلاة والتعليم، وبنظام حفظ واسع النطاق، وبمصحف مرجعي ارتبط بالسلطة السياسية والدينية في القرن الأول الهجري. أما نصوص العهد الجديد فقد دُوّنت في فضاء كنسي متنوع جغرافيًا ولغويًا، مع وجود نسخ متعددة من الأناجيل والرسائل، وتقاليد ترجمية موازية، ما خلق بيئة أكثر عرضة لتعدد الصيغ وتنوع الترتيبات، وفق مقارنة تاريخية بين التقليدين.


قراءات نقدية: هل الاستقرار سابق على الضبط الرسمي؟

في المقابل، يلفت باحثون آخرون في تاريخ المخطوطات القرآنية إلى أن الحديث عن «استقرار» النص لا يلغي تاريخًا من الضبط والتحرير الرسمي، بل يفترضه؛ فدراسات مثل عمل كيث سمول حول نقد النص والمخطوطات القرآنية تنطلق من فكرة أن جمع النص في مصحف معياري في القرن الأول كان يتضمن اختيارًا بين صيغ متداولة وإقصاءً تدريجيًا لقراءات أخرى. هذه القراءة ترى أن قلة الاختلافات الكبرى في الشواهد الباقية هي نتيجة عملية مبكرة لتشكيل نص معياري، أكثر من كونها دليلًا على غياب التحول من الأصل إلى النسخ. مع ذلك، تبقى نقطة التقاء مهمة بين إيرمان وبعض هذه المقاربات: وجود نص قرآني مستقر في خطوطه العامة في وقت مبكر جدًا، وهو ما تؤكده تواريخ الكربون المشع لمخطوطات متفرقة من القرن السابع، حتى لو اختلفت التفسيرات حول الطريقة التي أُنتج بها هذا الاستقرار.


زوايا عمل صحفية ممكنة

يفتح هذا الملف زوايا عمل متعددة تتجاوز ثنائية «النص المحفوظ» مقابل «النص المتغير»؛ إذ يمكن تناول الفارق بين تقاليد الضبط والتلاوة والحفظ في الإسلام وبين تقاليد القراءة والتفسير في المسيحية، وربط ذلك بالبنى المؤسسية التي تَحكُم المعيارية النصية. كما يمكن استثمار مواد مثل تدوينات إيرمان، ودراسات التأريخ بالكربون المشع، ومناقشات الباحثين في تاريخ المخطوطات، لقراءة أوسع لدور التقنيات العلمية المعاصرة في إعادة ترتيب أجندة البحث حول نصوص الوحي في الديانات الإبراهيمية. هذا كله يمنح موضوع رقوق برمنجهام وغيرها من المخطوطات المبكرة موقعًا يتجاوز الخبر الآثاري إلى ملف بحثي مستمر حول علاقة النص بالمؤسسة وبالتقليد القرائي عبر الزمن.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/97226298/bart-ehrman...



Rss
Twitter
Newsletter