المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الدين في The Brutalist: بين اليهودية والكاثوليكية وإسرائيل


الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 à 12:25 |




يتعامل فيلم The Brutalist مع الدين لا بوصفه شأنًا إيمانيًا حميميًا، بل بوصفه عمارة اجتماعية للسلطة: فأن تكون يهوديًا، أو تتحوّل إلى الكاثوليكية، أو تبني كنيسة صغيرة، أو تفكّر في إسرائيل، كلّها طرق لطرح السؤال المركزي الذي يشغل الفيلم: من يحقّ له الانتماء إلى أمريكا، وبأي ثمن؟ يقدّم نتفليكس البطل لازلو توث بوصفه معماريًا يهوديًا مجريًا فارًّا من أوروبا ما بعد الحرب.



١. اليهودية: هوية جريحة أكثر منها إيمانًا مواسِيًا

لازلو توث ناجٍ يهودي مجري من الاضطهاد النازي والمعسكرات. لكنّ هذا الأصل لا يبقى مجرد معطى بيوغرافي؛ فهو ينظّم علاقته بالعالم والمنفى والعمل والكرامة.

يتجنّب الفيلم مع ذلك تصوير لازلو بوصفه شخصية تُظهر تديّنًا صريحًا. فعلاقته بالكنيس تبدو بعيدة وآلية، بل شبه ساخطة؛ إذ تُقدَّم اليهودية أقرب إلى هوية تاريخية فرضتها معاداة السامية الأوروبية وامتدّت داخل أمريكا ما بعد الحرب، لا كمصدر مباشر للعزاء الروحي، بحسب ما تخلص إليه قراءة نشرها موقع ميدل إيست آي. إنها معطى وجودي لا يستطيع لازلو التخلّص منه حتى وهو يحاول الاندماج اجتماعيًا.

وهذه الدقّة أساسية: فالفيلم لا يروي تحوّلًا روحيًا أو مصالحة مع الله، بل يُظهر كيف يحوّل العنف التاريخي الهوية اليهودية إلى ذاكرة جسدية وسياسية. فالصدمة المرتبطة بالمعسكرات لا تُصاغ مطوّلًا في الحوار؛ إنها محفورة في الصمت، وفي الاعتماد على الآخرين، وفي نوبات الغضب، وفي الهوس المعماري الذي يسكن لازلو.



٢. الكاثوليكية: اندماج وتبييض وتخلٍّ

تمثّل شخصية أتيلا، ابن عم لازلو، النموذج المضاد الأوضح. فقد استقرّ في الولايات المتحدة قبله، وتزوّج من أمريكية مسيحية، واعتنق الكاثوليكية، بل غيّر اسمه أيضًا. يختصر هذا المسار منطق الاندماج: فالقبول داخل أمريكا البيضاء البروتستانتية/الكاثوليكية والبرجوازية يقتضي تمويه الأصل اليهودي الغريب والشرق-أوروبي، كما يشير كل من ميدل إيست آي وموقع Le Rayon Vert.

لا تُعامَل الكاثوليكية هنا كهدف لاهوتي مستقل، بل كلغة دينية مهيمنة داخل مجتمع يجعل الاندماج مشروطًا. فبرادي كوربيه يقترح أن أمريكا تستقبل المهاجر بشرط أن يجعل نفسه متوافقًا مع مدوّناتها الاجتماعية والعرقية والدينية.

ولتحوّل أتيلا دلالة أوسع: فهو يشير إلى التخلّي عن جزء من إرثه مقابل قدر أكبر من الاحترام الاجتماعي، ويكشف في الوقت ذاته هشاشة هذا الاحترام، إذ يظلّ حتى بعد اندماجه تابعًا لنظام اجتماعي يسبقه وجودًا. كما يقيم الفيلم مقابلة بين استراتيجيتين للبقاء: لازلو يرفض المحو، وأتيلا يمحو نفسه ليبقى.

ومع ذلك، لا يُثمّن الفيلم لازلو تثمينًا مثاليًا: فوفاؤه لهويته لا يجعل منه بطلًا خالصًا، إذ يبقى رجلًا مصابًا بصدمة، غامضًا في كثير من الأحيان، وصعبًا، بل مدمّرًا أحيانًا. غير أن الفيلم يُظهر بوضوح أن الاندماج لا يحمي بالضرورة من العنف الاجتماعي، بل قد يصبح أحيانًا شرطًا له.


٣. الكنيسة الصغيرة: المقدّس الذي يلتقطه رأس المال

يتضمّن المشروع المعماري الذي كلّفه هاريسون فان بورن بعدًا دينيًا: كنيسة صغيرة داخل مجمّع تذكاري ومجتمعي واسع. يشكّل هذا الصرح إحدى أخصب عُقد الفيلم، إذ يمزج بين الروحانية وذاكرة الحرب والضخامة المعمارية والسلطة الاقتصادية والهيمنة الجمالية.

لا تُصمَّم الكنيسة الصغيرة كفضاء طقوسي عادي، بل تتحوّل إلى جهاز مكاني يشتغل على الضوء وسحق الحجوم والعمودية والفراغ. فالمقدّس هنا تُنتجه العمارة نفسها، من خلال تصميم يجعل الضوء يرسم صليبًا فوق المذبح في لحظات معينة، بحسب ما ورد في مراجعة نشرها موقع Plugged In. وفي الوقت نفسه، يُعهد بهذا الفضاء المسيحي إلى معماري يهودي: مفارقة تكشف أن الفن قادر على تجاوز الحدود الطائفية، بينما تُذكِّر في الآن ذاته بأن الجهة الممولة تحتفظ بسلطة تحديد ما سيكون مقدّسًا ومرئيًا وممولًا.

فـ«الإله» الحقيقي في الفيلم ليس إذن الإله اليهودي أو المسيحي حصرًا، بل هو أيضًا رأس المال: فان بورن يموّل، ويأمر، ويعلّق، ويُذلّ، ويحكم. ورعايته ليست بريئة أبدًا؛ فهو يسعى إلى ضمّ عبقرية لازلو إلى مجده الشخصي. وهكذا تتحوّل العمارة المقدّسة إلى امتداد للملكية الخاصة والسلطة الأبوية.


٤. إسرائيل والصهيونية: مخرج ملتبس

تكمن النقطة الأكثر حساسية في حضور إسرائيل. فالفيلم يسمع عبر المذياع إعلان قيام دولة إسرائيل سنة 1948، لتختار زوفيا لاحقًا الهجرة إليها وتدعو عائلتها إلى اللحاق بها. لا يستجيب لازلو وإرجيبت فورًا لهذه الدعوة، قبل أن يُلمّح السرد إلى رحيل لاحق للازلو، بحسب تحليل نشرته ميدل إيست آي.

سيكون من التبسيط قراءة ذلك احتفاءً صريحًا بالصهيونية. فالفيلم يفتح عوضًا عن ذلك عدة قراءات متزامنة: قراءة تاريخية ترى في فكرة دولة-ملاذ لليهود الأوروبيين المضطهدين بعد المحرقة احتمالًا مفهومًا تاريخيًا؛ وقراءة وجودية تجعل من إسرائيل بديلاً عن أمريكا التي تَعِد بالتحرر لكنها تنتج الإذلال والتبعية والعنف؛ وقراءة نقدية تلاحظ أن السرد لا يُظهر إسرائيل إلا نادرًا، ما لا يسمح باستنتاج أنها مكان لحلّ أخلاقي أو سياسي؛ وأخيرًا قراءة إشكالية ترى أن الصيغة الختامية حول «الوجهة» قد تمنح إسرائيل قيمة غائية، كما لو أن المنفى والمعاناة والهجرة تجد هناك اكتمالها، وهو ما يغذّي بالضبط الجدل النقدي المحيط بالفيلم، بحسب كل من ميدل إيست آي وموقع Le Rayon Vert.

وقد قدّم المخرج برادي كوربيه جوهر فيلمه بوصفه مسار رجل يفرّ من الفاشية ليصطدم بالرأسمالية الأمريكية، لا بوصفه بيانًا حول إسرائيل أو فلسطين. كما تشير مراجعة ميدل إيست آي إلى أن التباس علاقة لازلو باليهودية يمنع اختزال الفيلم في دفاع صهيوني متماسك.


لا يُقدَّم الدين في The Brutalist بوصفه ملاذًا، بل بوصفه حدودًا: بين يهودية مضطهَدة، وكاثوليكية مندمِجة، وكنيسة صغيرة يموّلها رأس المال، وإسرائيل كأفق ملتبس، يصوّر برادي كوربيه المعتقدات بوصفها مؤسسات توزّع الانتماء والإقصاء والذاكرة.




المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/97941408/the-br...



Rss
Twitter
Newsletter