تحتل القصيدة الشقراطيسية منزلة متقدمة في تقاليد المديح النبوي بالغرب الإسلامي، لا بوصفها نصاً شعرياً فحسب، بل باعتبارها أثراً جمع بين العلم والإنشاد والذاكرة الروحية التي تداولتها المجالس والزوايا عبر أجيال متعاقبة. وتُنسَب هذه القصيدة إلى أبي محمد عبد الله بن يحيى الشقراطيسي، وهو فقيه مالكي وشاعر من أعلام إفريقية، وُلد في توزر ونُسب إلى شقراطس قرب قفصة، وتوفي سنة 466هـ تقريباً، وقد عُرف في كتب التراجم بإمامته في الفقه والحديث والتدريس.
هذا الموقع العلمي للشقراطيسي يفسر جانباً من كثافة المادة المعرفية في قصيدته، إذ لا يكتفي فيها بالثناء الوجداني على النبي، بل يبني نصه على استحضار متدرج لتاريخ النبوة، من البشارات السابقة إلى المولد ثم الرضاعة والطفولة والبعثة، في مسار يزاوج بين السرد العقدي واللغة الشعرية ذات النفس الطويل. ولعل هذه السمة هي التي منحت الشقراطيسية قدرة خاصة على العبور من مجال القراءة إلى مجال الأداء الجماعي، لأنها توفر مادة تعليمية وروحية في آن واحد، وهو ما تحتاجه تقاليد السماع حين تبحث عن نص يجمع الإيقاع بالمعنى والتذكير بالسيرة.
في المدونة التي بين أيدينا تتجلى هذه الخصيصة بوضوح، إذ تظهر القصيدة في هيئة مقاطع متتابعة تتوزعها عناوين من قبيل «رصد الذيل» و«تغطية» و«بسيط الحجاز المشرقي» و«إنشاء الطبع» و«الحجاز درج»، بما يدل على أن النص لم يكن متداولاً على أنه قصيدة محفوظة على الورق فقط، بل مادة قابلة للتلحين والتقطيع والأداء داخل تقاليد إنشادية مخصوصة. كما تكشف الصفحات المرفقة عن حضور بنية فنية تتجاوز نظام القصيدة العمودية الصرف إلى نوع من التنظيم الذي يستجيب لخبرة المنشدين وأذواق المجالس، وهو ما يفسر بقاء الشقراطيسية ضمن المتون التي وجدت طريقها إلى المجال المغربي.
تبدأ القصيدة بتمهيد يحمد الله على إرسال الرسول، ويستعيد أخبار الرسالات السابقة، من توراة موسى إلى إنجيل عيسى، قبل أن يجعل من البعثة المحمدية خاتمة جامعة لهذه المسيرة النبوية. هذا البناء ليس تفصيلاً شكلياً، بل يعكس تصوراً راسخاً يرى في النبي محمداً وارثاً لمعاني النبوة كلها، وهي فكرة وجدت أصداء واسعة في الأدبيات الصوفية التي جعلت من الحقيقة المحمدية أصلاً جامعاً للأنوار والرسالات. ومن هنا فإن الشقراطيسية لا تُقرأ على أنها مديح وجداني فقط، بل على أنها نص يعيد ترتيب الزمن الديني في ضوء مركزية الرسول، وهو ما منحها قدرة على الاستقرار في وجدان المتلقين داخل الفضاء المغاربي.
وتبلغ هذه الرؤية ذروتها حين ينتقل الناظم إلى مشاهد المولد النبوي وما أحاط بها من آيات، ثم إلى قصة الرضاعة وبركة حليمة السعدية، فيجعل البركة قوة محركة للعالم المادي كما هي حال في الوجدان الصوفي. فالخصب يحل محل القحط، والاتساع يعقب الضيق، وتحمل الحكاية في باطنها معنى الصحبة والاتصال بالمقام المحمدي بوصفه منبعاً لتبدل الأحوال. وهذه اللغة التي تربط المادي بالروحي هي نفسها التي جعلت النص قريباً من ذائقة الزوايا المغربية، حيث لا يُفصل السلوك الروحي عن أثر البركة في النفس والجماعة والمكان.
أما من الناحية التاريخية، فإن الشقراطيسية خرجت من موطنها الإفريقي مبكراً، وتؤكد الشواهد المخطوطة وشروح القصيدة أنها تُودولت واعتنى بها النساخ والشارحون في فضاءات متعددة من المشرق والمغرب. وقد حفظت المكتبات نسخاً من القصيدة وشروحها، من بينها مخطوطات تصرح بعنوانها وتثبت عناية العلماء بها، الأمر الذي يدل على أنها لم تكن نصاً هامشياً، بل متناً معروفاً داخل تقاليد المديح والتعليم. وفي المغرب اكتسبت القصيدة حياة ثانية حين دخلت إلى مجالس السماع والمديح، فصارت من النصوص التي تُتلى في مواسم المولد والليالي الروحية، إلى جانب متون أخرى أكثر شهرة مثل البردة والهمزية، ولكن من دون أن تفقد شخصيتها الخاصة القائمة على النفس السيري الطويل.
وإذا كان من الصعب ربط الشقراطيسي بطريقة صوفية مغربية بعينها على نحو مباشر، فإن أثره يبدو واضحاً في البيئة التي أعادت استقبال قصيدته. فالطرق المغربية ذات النزعة المحمدية القوية، وفي مقدمتها البيئة التي ازدهر فيها تداول الصلاة على النبي وتلاوة «دلائل الخيرات»، وجدت في الشقراطيسية نصاً يمدها بالسرد الشعري للسيرة وبالصور التي تغذي التعلق الوجداني بالمقام النبوي. بهذا المعنى، لم تكن القصيدة بديلاً عن الأوراد، بل نصاً مكملاً لها، يوسع خيال السامع ويصل بين الذكر والمعرفة التاريخية والوجد الجمالي في وقت واحد.
وتكشف الصفحات المرفقة أيضاً عن أن النص خضع في تداوله المتأخر إلى نوع من التهذيب الطباعي والوظيفي، حيث وُضعت له عناوين فرعية وإشارات إلى الأوزان والأنماط، بما يرجح أنه استُعمل في سياق إنشادي عملي أكثر من استعماله في سياق التحقيق العلمي الخالص. وهذا الجانب مهم في قراءة حضور القصيدة داخل التصوف المغربي، لأن كثيراً من النصوص لا تعيش عبر نسبتها إلى مؤلفيها فقط، بل عبر الكيفية التي تتبناها بها الجماعات الروحية وتعيد ترتيبها وفق حاجات الأداء والذكر والاحتفال.
من هنا تبدو الشقراطيسية مثالاً دالاً على التقاء ثلاثة مسارات في نص واحد: مسار الفقه والعلم الذي مثّله صاحبه عبد الله الشقراطيسي، ومسار الشعر الذي منح السيرة النبوية قالباً وجدانياً قابلاً للحفظ والتناقل، ومسار التصوف المغربي الذي استقبل هذا المتن وأدخله في الذاكرة السمعية للمديح. لذلك لا تُفهم القصيدة على وجهها الكامل إذا عُزلت عن المجالس التي أحيَتها، ولا إذا قُرئت قراءة لغوية صرفة، لأن قيمتها الكبرى تكمن في هذا العبور الهادئ بين العلم والإنشاد والمحبة.
وبهذا المعنى، فإن العودة اليوم إلى الشقراطيسية لا تستجيب فقط لفضول تراثي، بل تتيح قراءة جانب من الكيفية التي صاغ بها المغاربة علاقتهم بالسيرة النبوية من خلال التلقي والإنشاد والاختيار الذوقي. فالنص القادم من إفريقية استقر في المجال المغربي لأنه لبّى حاجة مزدوجة: حاجة المعرفة التي تستند إلى السيرة، وحاجة الروح التي تطلب خطاباً يقرّب صورة النبي إلى القلب. وفي هذا التلاقي تحديداً يمكن فهم سر بقاء الشقراطيسية ضمن نصوص المديح التي لم تختفِ تماماً من الذاكرة الصوفية المغربية، حتى حين تراجع تداولها الواسع أمام متون أخرى أشد حضوراً في العصر الحديث.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/96522611/...

دور «الجهل العادل» في صياغة عقد اجتماعي أكثر إنصافاً
