يتركز النقاش الدولي منذ سنوات على وتيرة اقتراب إيران من امتلاك كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب، باعتبار ذلك الطريق الأقصر نحو السلاح النووي. غير أن هذا التركيز لا يغطي جميع الاحتمالات التقنية المتاحة. في هذا الإطار، يلفت عدد من خبراء منع الانتشار إلى مسار آخر أقل تداولاً في الخطاب السياسي والإعلامي، يتعلق بإمكانية إنتاج البلوتونيوم من الوقود المستهلك في المفاعلات النووية المدنية.
تدور هذه الفرضية حول مفاعل بوشهر، المنشأة النووية الرئيسية لإيران على الخليج، والذي يعمل بوقود نووي روسي الصنع ضمن ترتيبات تعاقدية تنص على إعادة الوقود المستهلك إلى روسيا. غير أن النقاش لا يتوقف عند النصوص التعاقدية، بل يمتد إلى السيناريوهات النظرية في حال تغيرت المعطيات التقنية أو السياسية. إذ يحتوي الوقود المستهلك بطبيعته على البلوتونيوم، وهو عنصر قابل للاستخدام العسكري إذا خضع لعمليات فصل كيميائي معقدة تعرف بإعادة المعالجة.
بحسب تقديرات يطرحها هنري سوكولسكي، مدير مركز تعليم سياسات عدم الانتشار، فإن كمية البلوتونيوم المتراكمة في الوقود المستهلك من مفاعل بوشهر قد تكون كافية، نظرياً، لإنتاج عدد كبير من الرؤوس النووية. هذا التقدير يستند إلى معادلات تقنية تتعلق بكمية البلوتونيوم الناتجة عن تشغيل المفاعلات من نوع الماء الخفيف، مع افتراض القدرة على استخلاصه بكفاءة عالية. غير أن هذه الفرضية تبقى مشروطة بامتلاك بنية تحتية لإعادة المعالجة، وهي تقنية لا تعلن إيران امتلاكها حالياً.
تخضع المنشآت النووية الإيرانية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تراقب المواد النووية المعلنة وتتحقق من عدم تحويلها إلى استخدامات عسكرية. إلا أن مسألة الوقود المستهلك تطرح تحديات خاصة، نظراً لتعقيد تتبعه ولحساسيته من حيث الانتشار النووي. في حالة بوشهر، يتم نقل الوقود المستهلك إلى خارج البلاد وفق ترتيبات مع موسكو، وهو ما يعد أحد عناصر تقليص المخاطر المرتبطة بإنتاج البلوتونيوم.
مع ذلك، يدعو سوكولسكي إلى تشديد الرقابة الدولية على هذه الحلقة تحديداً، معتبراً أن ضمان بقاء الوقود المستهلك تحت إشراف خارجي دائم يمثل عنصراً أساسياً في أي استراتيجية لمنع الانتشار. هذا الطرح يعكس توجهاً أوسع لدى بعض دوائر الخبرة في واشنطن، حيث يجري النقاش حول ضرورة توسيع نطاق الاتفاقات النووية بحيث لا تقتصر على تخصيب اليورانيوم، بل تشمل أيضاً إدارة الوقود المستهلك.
تاريخياً، شكل البلوتونيوم أحد المسارين الرئيسيين لتطوير الأسلحة النووية، إلى جانب اليورانيوم عالي التخصيب. وقد استخدم هذا المسار في أول تجربة نووية للولايات المتحدة عام 1945، كما اعتمدته دول أخرى لاحقاً. غير أن تعقيداته التقنية وكلفته المرتفعة جعلاه أقل انتشاراً مقارنة بمسار التخصيب، خاصة في الدول التي لا تمتلك بنية صناعية متقدمة لإعادة المعالجة.
في الحالة الإيرانية، تظل المعطيات الميدانية خاضعة للتقديرات المتغيرة، في ظل تداخل العوامل التقنية مع الحسابات السياسية. فبينما تركز المفاوضات الدولية على نسب التخصيب وعدد أجهزة الطرد المركزي، يطرح مسار البلوتونيوم زاوية مختلفة للنقاش، تتعلق بإدارة دورة الوقود النووي بالكامل وليس مرحلة واحدة منها فقط. هذا التباين في المقاربات يعكس طبيعة الملف النووي الإيراني، الذي يتسم بتعقيد تقني وتعدد في المسارات المحتملة.
بالنسبة لصناع القرار، يفتح هذا النقاش باباً لإعادة تقييم أدوات الرقابة والاتفاقات القائمة، بحيث تشمل جميع المواد القابلة للاستخدام العسكري، بغض النظر عن مصدرها أو مسار إنتاجها. أما على المستوى الدولي، فإن أي معالجة شاملة لهذا الملف تتطلب توازناً دقيقاً بين حق الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية ومتطلبات منع الانتشار، وهو توازن لا يزال محل تفاوض مستمر منذ سنوات.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96520652/iran-pluto...

واشنطن تضغط على الجزائر لحسم موقفها من نزاع الصحراء
