المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

«الشعب في مواجهة الذكاء الاصطناعي»: حراك أمريكي عابر للأحزاب يتحدّى زحف مراكز البيانات


الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 à 12:40 |




في صباح جليدي من شهر فبراير، احتشد نحو مئتي شخص داخل كنيسة في وسط مدينة ريتشموند، عاصمة ولاية فرجينيا الأمريكية. قدِم معظمهم من مختلف أنحاء الولاية قبل بزوغ الفجر، جمهوريين وديمقراطيين، من المزارع الريفية ومن الضواحي البعيدة للعاصمة واشنطن، يجمعهم هدف واحد: التصدي لزحف مشروعات الذكاء الاصطناعي في منطقة تضمّ أكبر تركّز لمراكز البيانات في العالم. بهذا المشهد يفتتح الصحفي آندرو آر. تشاو تحقيقاً مطوّلاً نشرته مجلة «تايم» الأمريكية في فبراير 2026 وتصدّر غلافها تحت عنوان «الشعب في مواجهة الذكاء الاصطناعي»، يرسم فيه ملامح حراك شعبي آخذ في الاتساع ضد النمو المنفلت لهذه الصناعة.

سار الناشطون بعد ذلك إلى مبنى برلمان الولاية، وقضوا يومهم في الإدلاء بشهاداتهم أمام المشرّعين حول مخاوفهم من تأثير مراكز البيانات على الكهرباء والمياه والضجيج. وسألتهم السيناتورة في مجلس شيوخ الولاية دانيكا روم، وسط تصفيق حار، إن لم يكونوا قد سئموا من تجاهل الحزبين لهم ومن رؤية جودة حياتهم وبيئتهم تُدمَّر بفعل جشع الشركات. أما النائب جون ماكوليف فصارحهم بأنهم يحصلون على صفقة خاسرة.

تشاؤم أمريكي لافت رغم الاستخدام الواسع

تلاحظ «تايم» أن القليل فقط بات يوحّد الأمريكيين اليوم، غير أن شريحة متنامية من المجتمع، من أنصار ترامب المتحمّسين إلى الاشتراكيين الديمقراطيين، ومن القساوسة وصنّاع السياسات إلى الممرضات وصنّاع الأفلام، تتفق على أمر واحد على الأقل: الذكاء الاصطناعي يتقدّم بسرعة مفرطة. فرغم أن أغلب الأمريكيين يستخدمون هذه الأدوات، تُعدّ الولايات المتحدة من أكثر دول العالم تشاؤماً حيالها؛ إذ وجد استطلاع لمركز «بيو» عام 2025 أن عدد القلقين من تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية يفوق خمس مرات عدد المتحمّسين له، وأن الجمهور يتوقّع أن يُضعف قدرتنا على التفكير الإبداعي وبناء علاقات ذات معنى واتخاذ القرارات الصعبة.

ويحتجّ المتحمّسون للصناعة بأن الولايات المتحدة تخوض سباقاً مع الصين على التفوّق التقني، وهو ما تتبنّاه إدارة ترامب التي ترى في الذكاء الاصطناعي مفتاحاً للهيمنة الجيوسياسية. لكن كثيراً من الأمريكيين ينظرون إلى المسألة من زاوية أقرب إلى حياتهم اليومية: فواتير كهرباء متصاعدة، وتهديد للوظائف، وتعلّق المراهقين بروبوتات المحادثة. ويروي الفيزيائي ماكس تيغمارك، الذي أصدر معهده «مستقبل الحياة» في أكتوبر 2025 بياناً يدعو إلى وقف تطوير «الذكاء الفائق» وقّعه 134 ألف شخص، أنه تساءل عن سرّ اجتماع عسكريين ورجال دين وغيرهم على التوقيع، قبل أن يدرك أنهم جميعاً يناصرون «فريق الإنسان» في مواجهة «فريق الآلة». وتُفصح المجلة في هذا السياق عن ارتباطها باتفاق ترخيص وتعاون تقني يتيح لشركة OpenAI الوصول إلى أرشيفها.



مراكز البيانات: الواجهة الأولى للمعركة

باتت مراكز البيانات التي تشغّل أنظمة الذكاء الاصطناعي التجسيد المادي لاندفاع هذه الصناعة، ومن ثمّ هدفاً رئيسياً للاحتجاج. فوفق باحثي مجموعة «داتا سنتر ووتش»، نجح الناشطون، من فرجينيا إلى إنديانا وأريزونا، في تعطيل مشروعات بقيمة 98 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2025 وحده، في سياق اتساع رفض الأمريكيين لمشروعات مراكز البيانات عبر الانتماءات السياسية.

في جورجيا، حيث تُعدّ منطقة أتلانتا الكبرى ثاني أكبر مركز لهذه المنشآت في العالم بعد شمال فرجينيا، فاجأت الديمقراطيتان أليشيا جونسون وبيتر هابارد الجميع بالفوز في نوفمبر 2025 بمقعدين في لجنة الخدمات العامة المكلّفة بتنظيم المرافق، وهي هيئة لم يجلس فيها أي ديمقراطي منذ عام 2006. وجاء ذلك على خلفية تذمّر السكان من ارتفاع أسعار الكهرباء، إذ وافقت اللجنة على ست زيادات في التعرفة بين 2023 و2025، بينما يربط كثيرون هذا الارتفاع بـالطفرة في استهلاك مراكز البيانات للكهرباء. وتقول جونسون إنها لا تريد أن تدفع ثمن «مزرعة خوادم» يملكها ملياردير. وتشير المجلة إلى أن مايكروسوفت وAnthropic وOpenAI تعهّدت منذ يناير 2026 بتحمّل حصة أكبر من تكاليف الكهرباء.

وفي ويسكونسن، تخوض النائبة في برلمان الولاية فرانشيسكا هونغ، وهي طاهية سابقة تنتمي إلى تيار الاشتراكية الديمقراطية، سباق منصب الحاكم، وقد جعلت تقييد مراكز البيانات وعداً محورياً في حملتها. وتنتقد هونغ الإعفاءات الضريبية الممنوحة لهذه المشروعات، واتفاقيات عدم الإفصاح التي يوقّعها المسؤولون، والوعود غير المنجزة، مستحضرةً تجربة مصنع «فوكسكون» في ماونت بليزنت الذي وعد بخلق 13 ألف وظيفة واستلزم أكثر من مليار دولار من الإنفاق العام، قبل أن يتراجع ويتحوّل في النهاية إلى مركز بيانات. وقد شاركت هونغ في فبراير 2026 في صياغة مشروع قانون لتجميد هذه المشروعات على مستوى الولاية، بعدما نجحت حملات محلية في إيقاف مشروعات في كاليدونيا ومينوميني.

أما في أوكلاهوما، فقد اشترت أمة «موسكوجي» من السكان الأصليين عام 2021 مزرعة مساحتها 5500 فدان لأغراض الأمن الغذائي والزراعة والصيد. لذا فوجئت جوردان هارمون، المتخصصة في السياسات لدى «شبكة البيئة الأصلية»، بمقترح لإعادة تصنيف الأرض بأكملها لإقامة مركز بيانات ضخم، في منطقة تعاني أصلاً من مشكلات في إمدادات المياه. ونظّمت هارمون وصديقتها ماكنزي روبرتس سلسلة لقاءات عامة حشدت السكان، إلى أن رفض المجلس الوطني للقبيلة المقترح في نوفمبر 2025. وبرّرت العضوة في المجلس دود بارنيت تصويتها بغياب الشفافية والسعي إلى الاستيلاء على أرض زراعية، معتبرةً أن العائدات المالية مهما كبرت لن تعوّض أرضاً ستُترك مشوّهة إلى الأبد.


من المنابر إلى المستشفيات واستوديوهات هوليوود

لا تقتصر المعارضة على مراكز البيانات. ففي مايو 2025، خصّص البابا لاون الرابع عشر جانباً من خطابه الأول أمام مجمع الكرادلة للذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن صعوده يستدعي الدفاع عن كرامة الإنسان والعدالة والعمل. وعلى خطاه، يعقد القس مايكل غرايستون في كنيسة بمدينة أوستن منذ نوفمبر 2025 حلقات نقاش حول هذه التقنية، قلقاً من أثرها على الصلة الروحية للأفراد وعلى المراهقين خصوصاً؛ إذ وجدت دراسة لمنظمة «كومن سنس ميديا» في يوليو 2025 أن نصف من تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً يتحادثون مع «رفقاء» افتراضيين مرات عدة في الشهر على الأقل. ويرى غرايستون أن هذه الأدوات تصبّ الزيت على نار وباء العزلة الذي غذّته وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هوليوود، تقود الممثلة والمخرجة جاستين باتمان، الحاصلة على شهادة في علوم الحاسوب، ما يشبه حركة مقاومة للذكاء الاصطناعي. فقد عملت مستشارة لنقابة ممثلي الشاشة خلال مفاوضات 2023، وأسهمت في انتزاع ضمانات منها اشتراط موافقة الممثلين على استخدام صورهم رقمياً، وتدير اليوم مهرجان «كريدو 23» في لوس أنجلوس المخصّص لأفلام أُنجزت من دون ذكاء اصطناعي، والذي وزّع عام 2025 منحاً تتجاوز 70 ألف دولار. وتستشهد باتمان بتجربة أمازون في دبلجة مسلسلات أنمي يابانية بالذكاء الاصطناعي على منصتها، قبل أن تسحبها بعد أيام إثر موجة سخرية من الجمهور. في المقابل، اختارت أطراف أخرى في الصناعة الاتجاه المعاكس، كشركة ديزني التي استحوذت على حصة بقيمة مليار دولار في OpenAI.

وفي قطاع الصحة، تقف الممرضة هانا دراموند، التي عملت في مستشفى بمدينة آشفيل خلال إعصار «هيلين» عام 2024، في طليعة المعترضين على التعميم المتسرّع لهذه الأدوات. وقد أسهمت في حصول ممرضات 17 منشأة تابعة لشبكة HCA على ضمانات في عقدهن الأخير، منها حقّهن في إبداء الرأي في طريقة اعتماد التقنيات الجديدة المتصلة برعاية المرضى. وتستند إلى استطلاع أُجري عام 2024 أفاد فيه ثلثا الممرضين المنتسبين إلى النقابات بأن الذكاء الاصطناعي يقوّض عملهم ويهدّد سلامة المرضى، مؤكدةً أنها لا تطالب بحظره بل بإخضاعه للاختبارات الصارمة نفسها التي يخضع لها كل ما يصل إلى المريض.

ومن داخل الصناعة نفسها، غادر الباحث جون بالوفيتش شركة غوغل في سبتمبر 2025 بعد سنوات قضاها في تطوير محرك البحث ثم في فريق نموذج Gemini، لينضم إلى منظمة «أرشيف الإنترنت» غير الربحية. ويخشى بالوفيتش أن يقود التعلّق المفرط بهذه الأدوات إلى ارتهان المستخدمين لاحتكارات كبرى يصعب الفكاك منها، كما أقلقه انخراط الشركة في عقود حكومية ذات طابع أمني، وهو ما تنفي غوغل أن يكون مرتبطاً بأعمال عسكرية. وقد أسهم في فبراير 2026 في حملة احتجّ فيها أكثر من 1200 موظف على عقود الشركة مع وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية.


تقاطع نادر بين اليمين واليسار

اللافت في هذا الحراك أنه يجمع خصوماً سياسيين تقليديين. فعلى اليمين، يبرز جو آلن الذي شغل لخمس سنوات منصب محرّر شؤون «ما بعد الإنسانية» في برنامج «غرفة الحرب» الذي يقدّمه ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين السابق لدى الرئيس ترامب. ويستند آلن إلى استطلاع لمعهد دراسات الأسرة يفيد بأن 78% من ناخبي ترامب يريدون تحميل شركات التكنولوجيا المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال. وقد ضغط مع بانون في يونيو 2025 ضد محاولة الصناعة تمرير تجميد فدرالي لمدة عشر سنوات يمنع الولايات من تنظيم الذكاء الاصطناعي، فسحبت السيناتورة الجمهورية مارشا بلاكبيرن دعمها في اللحظة الأخيرة وانهار المشروع، قبل أن يصدر ترامب في ديسمبر من العام نفسه أمراً تنفيذياً للطعن في قوانين الولايات المتعلقة بهذه التقنية. وقد غادر آلن البرنامج في يناير 2026 ليُسهم في إطلاق منظمة جديدة تحمل اسم «البشر أولاً».

وتتوقّع «تايم» أن يتحوّل هذا الملف إلى عامل حاسم في انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر 2026؛ فبينما يعتزم قادة وادي السيليكون إنفاق مئات الملايين من الدولارات لدعم المرشحين المؤيدين للذكاء الاصطناعي، يحذّر استراتيجيون من الحزبين من ردّ فعل شعبي وشيك. ويرى الاستراتيجي الجمهوري بريندان شتاينهاوزر، الرئيس التنفيذي لـ«التحالف من أجل ذكاء اصطناعي آمن»، أن السياسيين الذين يخدمون مصالح شركات التكنولوجيا الكبرى على حساب المواطنين سيدفعون ثمناً سياسياً باهظاً.

في المقابل، اعتمدت شركات الذكاء الاصطناعي بعض الضوابط، منها التحقّق من أعمار المستخدمين، والمساهمة في تكاليف الكهرباء، والحدّ من الصور ذات الطابع الجنسي. غير أن الشكوك لا تزال قائمة؛ إذ تقول ماريا رين، التي رفعت مع زوجها دعوى قضائية ضد OpenAI بعد وفاة ابنهما آدم إثر محادثات مع ChatGPT، إنها لا تثق في أن الصناعة ستغيّر سلوكها من دون مزيد من الضغط، فيما دفعت OpenAI أمام القضاء بأن المراهق أساء استخدام الأداة.

وهكذا تتعدّد دوافع المعترضين، بين فواتير الطاقة والأرض والوظائف والإيمان والإبداع وسلامة المرضى، وتتباين القراءات لمخاوف الجمهور من الذكاء الاصطناعي، لكن ما يجمع الوجوه التي رصدتها المجلة هو مطلب واحد: أن يكون للمواطنين رأي في تقنية باتت تتسلّل إلى معظم جوانب حياتهم، قبل أن يحسم غيرهم شكل المستقبل نيابة عنهم.

📌 اقرأ أيضاً في «الخبر»




المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/98483603/people-vs-...



Rss
Twitter
Newsletter