تفتتح الأخصائية النفسية والباحثة في علوم الأعصاب ألبا كاردالدا كتابها الصادر بالفرنسية عن دار «فيرست» بعبارة للكاتبة مارغريت يورسنار، مفادها أننا جميعاً كنا سنتحوّل لو امتلكنا الشجاعة لنكون ما نحن عليه حقاً. ويحمل الكتاب عنواناً صادماً عن قصد، يمكن ترجمته بتصرّف إلى «كيف تقول للناس: اذهبوا إلى الجحيم... بأدب» (Comment dire aux gens d'aller se faire foutre poliment). غير أن صاحبته تؤكد، في حوار أجرته معها مجلة «بسيكولوجي» الفرنسية، أن الكتاب ليس احتفاءً بالأنانية، بل دليل عملي لتعلّم رسم الحدود الشخصية، بوصفها أساساً لعلاقات متينة وحياة تشبهنا.
لماذا نصمت حتى ننفجر؟
تُرجع كاردالدا عجزنا عن الرفض إلى سببين رئيسيين. الأول أننا لم نتعلّم التعبير عن ضيقنا بأسلوب حازم وهادئ، بل تعلّمنا في الغالب أن نعبّر عنه بعدوانية؛ فنلجأ إلى الصمت تفادياً للعدوان، ونكتم مرة بعد مرة، إلى أن ينتهي الأمر بانفجار. أما السبب الثاني فثقافي: فقد نشأنا على أن نكون في خدمة الآخرين، وأن نقدّم رغباتهم على راحتنا، حتى لو كلّفنا ذلك ضيقاً حقيقياً.
وتعود جذور هذا الخوف، بحسبها، إلى الطفولة. فإذا قوبل رفض الطفل بغضب الوالدين أو بابتزاز عاطفي من قبيل «سأغضب منك» أو «سأرحل»، تترسّخ لديه مخاوف ثلاثة: أن يغضب الآخر، وأن يُهجَر، وأن يُساء الظن به. وهكذا يكبر وهو يعتقد أن «لا» أقلّ شرعية من «نعم».
الذنب: نخففه ولا نمحوه
هل يمكن التخلّص نهائياً من الشعور بالذنب الذي يرافق الرفض؟ تجيب كاردالدا بالنفي، لأن هذا الشعور ينبع من معتقدات اكتسبناها منذ الصغر حتى صارت جزءاً من تكويننا. لكن يمكن تخفيف وطأته بمساءلة تلك المعتقدات، وبالتساؤل في كل موقف: هل من المعقول أن أشعر بالذنب هنا؟ وتقرّ بأن الجانب العاطفي يظل أقوى من الجانب العقلاني وأصعب علاجاً.
وتحرص الأخصائية على التمييز بين ذنب «مرضي» يكبّلنا بلا مبرر، وذنب «صحي» يمنعنا من إيذاء الآخرين أو تجاوز حدودهم عمداً؛ فهذا الأخير، في نظرها، ضروري لعيش مشترك سلمي، ولولاه لفعل كل امرئ ما يشاء.
«لا» من دون تبرير
يخصّص الكتاب فصلاً كاملاً لما تسمّيه الكاتبة قوة «لا» المجرّدة. وتوضح أن هذه الأداة لا تصلح لكل المواقف، بل للحالات التي يتجاوز فيها الآخر حدودنا أو يُلحّ أكثر من اللازم، أو حين لا تحمل العلاقة به وزناً عاطفياً كبيراً. وتضرب مثلاً بنساء من محيطها ومن مريضاتها: يقترب رجل غريب من إحداهن ليعرض عليها مشروباً، فبدل أن تكتفي بعبارة «لا، شكراً»، تختلق الأعذار من قبيل «لديّ شريك» أو «أنا برفقة أصدقاء»، وكأنها لا تملك حق الرفض من دون تبرير. والحال، كما تقول، أن هذا الحق ثابت لها.
التعاطف لا يناقض الحزم
ولا يعني رسم الحدود التخلّي عن اللطف. فالتعاطف، في تعريف كاردالدا، هو القدرة على فهم مشاعر الآخر و«فكّ شيفرة» خريطته الذهنية، وهو بالضبط ما يساعدنا على اختيار الكلمات المناسبة لإبلاغ حدودنا من دون جرح. وتعترف بأن التوازن هشّ: فالعلاقات تحتاج إلى مرونة، وأحياناً ينبغي أن نتنازل، وأحياناً أخرى أن نثبت على موقفنا.
والقاعدة نفسها تنطبق في الاتجاه المعاكس: علينا أن نتعلّم تقبّل «لا» حين يقولها لنا الآخرون. ومفتاح ذلك، بحسبها، تقدير سليم للذات، يجعلنا ندرك أن رفض الآخر لا يتعلّق بقيمتنا، بل بتفضيلاته وتجاربه ونظرته إلى الحياة وإلى العلاقة. أما من يفتقر إلى هذا التقدير، فيعيش الرفض اعتداءً شخصياً ودليلاً على أنه «لا يستحق».
الخلاف والسعادة
وماذا عن الخوف من الخلاف، خصوصاً مع المقرّبين؟ ترى الأخصائية أن الخلافات حتمية في كل علاقة، وأنها قد تكون بنّاءة إذا أتاحت العمل على الاحترام وتقبّل رأي الآخر، بل قد تقوّي العلاقة حين يجد الطرفان الحلّ معاً. لكنها تنبّه إلى أن الخلاف لا يُعدّ محسوماً بشكل سليم إذا انتهى بخضوع أحد الطرفين أو استسلامه، حتى لو بدا الهدوء قد عاد.
وفي ختام الحوار، تستحضر كاردالدا دراسة جامعة هارفارد الشهيرة حول السعادة، التي أبرزت مركزية العلاقات الاجتماعية في حياة سعيدة، لتخلص إلى أن الابتعاد عن الأشخاص الذين لا يجلبون لنا الطمأنينة ليس ترفاً، بل ضرورة، «حتى لو لم نقل لهم ذلك بهذه الألفاظ». وتبقى هذه الأفكار، بطبيعتها، توجيهات عامة من أدبيات تطوير الذات المستندة إلى الخبرة العيادية، يتوقّف تطبيقها على سياق كل علاقة، وهو ما تقرّ به الكاتبة نفسها حين تتحدث عن أدوات تُستعمل «بحسب السياق».
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98347320/a...










