تميّز النموذج السياسي الذي ارتبط بصعود السعديين في المغرب، والمدعوم بالامتداد الروحي والاجتماعي للحركة الجزولية، عن صيغ الحكم التي سبقته، ولا سيما التجربة المرابطية. ولم يكن الاختلاف مقتصراً على تبدل الأسر الحاكمة أو موازين القوة، بل شمل أسس الشرعية وآليات تنظيم المجال وعلاقة السلطة بالدين والطرق الصوفية.
استند المرابطون إلى عصبية قبائل صنهاجة وإلى مرجعية مالكية صارمة، جعلت من الفقهاء عنصراً مركزياً في تثبيت النظام السياسي والاجتماعي. وقد ارتبطت شرعية الدولة لديهم بحماية المذهب وتطبيق أحكام الشريعة وفق تصور فقهي محافظ، فيما نظر عدد من ممثلي هذا الاتجاه إلى النزعات الصوفية والباطنية باعتبارها منافسة محتملة للمرجعية المذهبية السائدة. لذلك احتفظت السلطة الروحية، حين وجدت خارج الدائرة الفقهية، بهامش مستقل نسبياً عن الحكم العسكري والإداري.
أما السعديون، فبنوا شرعيتهم على مفهوم الشرف، أي الانتساب إلى البيت النبوي، وجعلوه أساساً مركزياً للمشروعية السياسية والدينية. ولم يلغ هذا التحول حضور القبائل أو العلماء، لكنه أوجد مرتكزاً آخر يتجاوز العصبية القبلية ويمنح السلطة الحاكمة مكانة دينية موروثة. وقد تعزز هذا الأساس عبر التزكية الاجتماعية والرمزية التي أتاحتها الشبكات الصوفية، وفي مقدمتها أتباع الشيخ سليمان الجزولي.
وعرف النموذج السعدي تقارباً وثيقاً بين السلطة الزمنية والبركة الروحية. ففي تجارب أقدم، ظهر السلطان ممثلاً للقدرة العسكرية والإدارية، مقابل الولي أو العارف بوصفه صاحب نفوذ رمزي وروحي قد يبقى مستقلاً عن الحكم. غير أن السعديين عملوا على جمع هذين البعدين في صورة الحاكم الشريف الذي يمارس السلطة ويستند، في الوقت نفسه، إلى رصيد البركة والقبول الديني.
وتجلت هذه العلاقة في رموز المجال الجنائزي بمراكش، إذ نُقل جثمان سليمان الجزولي ليدفن في العاصمة قرب مؤسس الدولة السعدية، في ضريح واحد. وحمل هذا الترتيب دلالة سياسية وروحية، إذ قدّم اتحاداً ملموساً بين الولاية الصوفية والشرعية السلالية، وربط ذاكرة الشيخ بشبكة السلطة الجديدة في المدينة التي أصبحت مركزاً للحكم السعدي.
كما تميز الخطاب السعدي بصياغة ذات بعد خلاصي وألفي، تأثرت بتعاليم جزولية صورت المرحلة بوصفها زمناً يحتاج إلى قيادة دينية وسياسية قادرة على تجديد الجماعة الإسلامية. وضمن هذا التصور، لم يقتصر دور السلطان على إدارة الدولة أو حماية الحدود، بل امتد إلى تقديمه قائداً لحركة جهادية ضد الوجود البرتغالي والإسباني، وربط توحيد المجال السياسي بتحرير الثغور وإعادة بناء مجتمع إسلامي منضبط.
واعتمد السعديون، في هذا السياق، على شبكات الزوايا بوصفها بنية اجتماعية فاعلة خارج المدن الكبرى. فقد أتاحت الطرق الصوفية امتداداً في الأرياف والمناطق الحدودية، وربطت بين الشيوخ والمريدين والقبائل وطرق التجارة. وتحولت هذه الشبكات إلى أدوات للتأطير وجمع الموارد وتوسيع النفوذ وإعادة ضبط مسالك القوافل والمناطق البعيدة لصالح المركز.
وبذلك لم تكن الجزولية مجرد سند ديني رمزي للدولة السعدية، بل ساهمت في إنتاج صيغة للحكم تجمع النسب الشريف والبركة الصوفية والجهاد والتنظيم الشبكي للمجال. وقد أتاح هذا التركيب للدولة الناشئة أن تقدم نفسها بوصفها سلطة دينية وسياسية في آن واحد، وأن تستند إلى شرعية تتجاوز الحدود التقليدية للعصبية القبلية والهيمنة الفقهية المنفردة.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98241425/...










