المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

الأبوة والشعر: كيف تصنع ولادة طفل ثورة في قصيدة أبيه


الاثنين 12 أكتوبر 2026 à 23:21 |




يسود اعتقاد قديم بأن الإبداع يحتاج إلى عزلة وانقطاع عن شواغل البيت، وأن رعاية الأطفال تُطفئ جذوة الكتابة. وقد لخّص الناقد البريطاني سيريل كونولي هذا التصوّر عام 1938 حين اعتبر عربة الطفل في مدخل البيت ألدّ أعداء الفن الجيد. غير أن الباحث دانيال سويفت، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة نورث إيسترن في لندن، يقلب هذه الفكرة رأساً على عقب في مقالة مطوّلة نشرتها مجلة «إيون»، مؤكداً أن الأبوة كثيراً ما كانت شرارة لتحولات شعرية كبرى، وأن علم الأعصاب الحديث بدأ يقدّم ما يسند هذه الملاحظة.



ينطلق سويفت من مشهد شهير في الكتاب السادس من «الإلياذة»، إذ يودّع هكتور زوجته أندروماخ ويرفع رضيعه في الهواء ثم يعيده إليها، آمراً إياها بالعودة إلى المغزل والنول لأن الحرب شأن الرجال. هذا النموذج من «الأب البطولي» البعيد ظلّ، بحسب الكاتب، مغرياً للفنانين والأدباء، من الرسام بول غوغان الذي ترك زوجته وأطفاله الخمسة سعياً وراء الشهرة والفن، إلى الروائي د. هـ. لورنس الذي رأى عام 1922 أن الطفل يستند في النهاية إلى حب أبيه البعيد القوي. ويعدّ سويفت هذه الرواية خادمة لمصلحة الرجل المبدع، لأنها تعفيه من أعباء الرعاية اليومية.

كولريدج: الحفاض والإلهام

النموذج المضاد الذي يقترحه الكاتب هو الشاعر الإنجليزي صامويل تايلور كولريدج. فقد وُلد ابنه هارتلي في 19 سبتمبر 1796، واستقبل الأب الخبر بقصائد متحفظة، بل كتب لصديق بعد أيام أنه رأى في حياته أطفالاً أجمل منه. لكن انتقال الأسرة إلى كوخ في قرية نذر ستوي بمقاطعة سومرست غيّر كل شيء: أعلن كولريدج لأحد أصدقائه أنه ينوي العمل طاهياً وخادماً وماسحاً للأحذية و«ممرضاً عند الحاجة»، ثم وصف نفسه في رسالة أخرى وعيناه شاخصتان إلى السقف في نوبة إلهام، بينما حفاض الطفل مثبّت على ركبته ليدفأ.


من هذه اللحظة المنزلية وُلدت قصيدة «صقيع منتصف الليل» التي أتمّها في فبراير 1798، وفيها يجلس الشاعر في ليلة باردة إلى جوار مهد رضيعه النائم، يستعيد طفولته في المدينة الكبيرة ويتمنى لابنه أن يجوب البحيرات والشواطئ وسفوح الجبال. ويلاحظ الناقد جوناثان بيت أن الجديد في القصيدة هو تصوير الأب في الوضعية التي ارتبطت تقليدياً بالأم، أي السهر على طفل نائم. أما سويفت فيذهب أبعد: خلال الأشهر الثمانية عشر التي تلت ولادة هارتلي، بدأ كولريدج أو أتمّ قصائده الأشهر، ومنها «قوبلاي خان» و«كريستابل» و«أنشودة البحّار القديم».

ولا يعدّ الكاتب كولريدج حالة معزولة. فبيرسي شيلي، الذي وُلد ابنه وليام في يناير 1816، عرف بعدها تطوراً فنياً سريعاً لافتاً بحسب كاتب سيرته ريتشارد هولمز، كما بدأ وليام كارلوس وليامز قصيدة مفصلية في مسيرته وزوجته حامل بابنهما المولود في يناير 1914. ويورد سويفت أن ثمانين في المئة من الرجال الحائزين جائزة نوبل للآداب أو جائزة بوليتزر للشعر كانوا آباءً، مع إقراره بأن النمط لا يرقى إلى وصفة، وبأن لكل حالة تعقيداتها، كصداقة كولريدج مع وردزورث التي أسهمت في ولادة الحركة الرومانسية.


ماذا يقول علم الأعصاب؟

يستند الكاتب إلى دراسات حديثة في التصوير الدماغي. ففي دراسة نُشرت عام 2020 شملت 32 عازف غيتار من موسيقى الجاز، ارتبطت الارتجالات الأعلى جودة بنشاط في المناطق الخلفية من نصف الدماغ الأيسر، أي بالشبكة التلقائية أكثر من شبكة التحكم الواعي. وأظهرت دراسة أخرى على ثلاثين شاعراً نشاطاً في الفص الصدغي وفي مناطق مرتبطة بالذاكرة والارتجال أثناء الكتابة. وفي المقابل، بيّنت دراسة صدرت عام 2020 أن الآباء المنتظرين يستجيبون لبكاء الرضّع بتنشيط مناطق من الفص الصدغي تعالج الأصوات والمثيرات الاجتماعية والعاطفية.

وتشير عالمة النفس الإكلينيكية داربي ساكسبي، من جامعة جنوب كاليفورنيا، في كتابها «دماغ الأب» الصادر هذا العام، إلى أن أدمغة الآباء الجدد تفقد بعض الحجم في القشرة الدماغية، في حين تتعزز الروابط بين مناطق مختلفة. ووجدت دراسة لأنتوني فاكارو وزملائه، نُشرت عام 2025 في مجلة «Emotion»، أن تقوية الاتصال بين شبكة الوضع الافتراضي والجهاز الحوفي قد تساعد على دمج الانفعالات بالإحساس بالذات والذاكرة الشخصية، وعلى بناء المعنى في الفترات العاطفية المعقدة. بل إن دراسة إسرائيلية عام 2014 رصدت أنماطاً مماثلة لدى آباء يتولّون الرعاية الأساسية لأطفال متبنَّين أو مولودين عبر الحمل البديل، ما يوحي بأن هذه التحولات ترتبط بالرعاية نفسها لا بالرابطة البيولوجية وحدها.

ويحرص سويفت على التذكير بأن علماء الأعصاب يتحدثون بلغة الارتباط لا السببية، وأن الربط بين نشاط الدماغ وتحوّل أسلوب شاعر يبقى من باب التخمين. لكنه يرى تقاطعاً لافتاً بين ما ترصده هذه الأبحاث، من حضور الذاكرة الذاتية وتجدد الإحساس بالهوية وانفتاح المخيلة، وبين ما طرأ على قصائد كولريدج.


روبرت لويل وابنته هارييت

أوضح الأمثلة في المقالة هو الشاعر الأمريكي روبرت لويل. ففي ديوانه «قلعة اللورد ويري» (1946) التزم القافية والوزن الصارم، حتى إن قصيدة واحدة فقط من قصائده الاثنتين والأربعين لم تكن مقفّاة بالكامل. ثم وُلدت ابنته هارييت مطلع يناير 1957، وفي نهاية العام كتب إلى صديقه وليام كارلوس وليامز أنه نظم في الأربعين أول شعر غير موزون. وجاء ديوان «دراسات حياة» (1959) بلغة حرّة وسيرة ذاتية مباشرة، ففاز بالجائزة الوطنية للكتاب، وفي مراجعة له وُلدت تسمية «الشعر الاعترافي» الذي هيمن على الشعر الأمريكي في النصف الثاني من القرن العشرين. وتلاحظ الناقدة ديان وود ميدلبروك أن رواد هذا التيار الأربعة كانوا جميعاً آباءً أو أمهات جدداً لبنات لحظة انعطافتهم الشعرية.

وقد كتب لويل إلى الشاعرة إليزابيث بيشوب بعد ولادة ابنته بقليل أنه شغوف بها، وكأنه كان يفتقد قبلها مَلَكة أساسية كالبصر أو السمع أو العقل.

يخلص الكاتب إلى أن الأبوة والإبداع ليسا خصمين بل حليفين، مذكّراً بتعريف ت. س. إليوت لعقل الشاعر المكتمل بوصفه عقلاً يمزج باستمرار بين تجارب متباينة، وهو وصف يكاد يطابق ما تقوله الدراسات عن دماغ الأب الجديد. وفي زمن يُعاد فيه الاعتبار لدور الآباء في التربية، يرى سويفت أن تشابك الرعاية والكتابة ليس عائقاً، بل دافع إلى أعمال جديدة وجريئة.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98330235/a...



Rss
Twitter
Newsletter