قضى القضاء الإداري في باريس بإدانة الدولة الفرنسية لتحملها مسؤولية تقصير طويل الأمد في توضيح ملابسات مقتل أحد جنود «التيرايور» الأفارقة خلال أحداث تيرايوي قرب دكار في 1 ديسمبر 1944، مع اعتبار هذا التقصير خطأً إداريًا أضرّ بعائلة الجندي وحرمها، على مدى عقود، من معرفة الحقيقة بشأن ظروف الوفاة ومكان الدفن، والحكم بتعويض معنوي لابنه قدره 10,000 يورو عن الألم المرتبط بهذا الكتمان المستمر. جاء هذا القرار في مارس 2026، بعد نحو ثمانية عقود على الواقعة، وفي سياق أوسع من مراجعة الذاكرة الاستعمارية والحربية، أعقب اعترافًا رسميًا من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بما وصفه بـ«مجزرة» تيرايوي خلال تواصله مع السلطات السنغالية سنة 2024 بشأن الذكرى الثمانين للأحداث، وما رافق ذلك من حديث عن دين تاريخي تجاه هؤلاء الجنود الأفارقة الذين شاركوا في تحرير فرنسا.
تعود جذور القضية إلى يوم 1 ديسمبر 1944 عندما جرى تجميع مئات الجنود الأفارقة الذين خدموا في وحدات «التيرايور السنغاليين» في معسكر تيرايوي قرب دكار لدى عودتهم من الجبهة الأوروبية، حيث رفعوا مطالب تتعلق بأجور غير مدفوعة وتعويضات وعدوا بها مقابل مشاركتهم في الحرب العالمية الثانية. انتهى التوتر في ذلك اليوم بإطلاق النار عليهم من قبل وحدات من الجيش الفرنسي، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، وسط تقديرات متباينة لأعداد الضحايا في غياب إحصاء رسمي شامل يحدد بدقة أسماء القتلى ومواقع القبور، الأمر الذي جعل مأساة تيرايوي رمزًا لصدام عنيف بين جنود جندوا في المستعمرات وبلد قاتلوا دفاعًا عنه.
الملف المعروض أمام القضاة لم يتناول مجمل ما حدث في تيرايوي، بل ركّز على حالة جندي واحد لجأت عائلته، ممثلة في ابنه، إلى القضاء بعد عقود من تلقيها روايات متضاربة عن مصيره. فقد أبلغت السلطات العسكرية الأسرة، بعد فترة قصيرة على الحادثة، أن الجندي اعتبر «فارًا من الخدمة» وأن رواتبه صُرفت كاملة، وقدّمت إطلاق النار في المعسكر بوصفه ردًا ضروريًا على حركة تمرّد مسلحة قام بها الجنود العائدون، قبل أن تبدأ هذه الصيغة الرسمية في الاهتزاز مع تراكم الأبحاث التاريخية وظهور شهادات جديدة وتحليل أعمق للأرشيف العسكري.
مع مرور الزمن، ونتيجة لضغط المؤرخين والجمعيات والأقارب، اضطرت السلطات الفرنسية إلى مراجعة موقفها؛ فتم الاعتراف، في مرحلة أولى، بأن الجندي لم يكن فارًا من الخدمة، ثم جرى لاحقًا منحه صفة «مات من أجل فرنسا»، ما أدّى إلى تصحيح مركزه القانوني في سجلات ضحايا الحرب، من دون أن يصاحب ذلك جهد مكافئ لتحديد ظروف مقتله وموقع قبره. غير أن هذا التعديل الإداري المتأخر لم يكن كافيًا في نظر القضاء الإداري الباريسي، إذ رأى القضاة أن ما حصل لا يمحو عقودًا من التقصير في البحث الجدي عن الحقيقة، ولا يبدد الألم الناجم عن غياب معلومات واضحة وموثوقة بشأن ظروف الوفاة ومكان الدفن، خاصة وأن الدولة كانت تملك وسائل تمكنها من التحقيق بعمق أكبر في الوثائق والشهادات المتاحة.
في حيثيات حكمه، فرّق tribunal administratif de Paris بين مسألتين: مسؤولية الدولة عن استخدام القوة المميتة سنة 1944، وهي مسألة باتت، في نظره، خاضعة للتقادم وغير قابلة للملاحقة القضائية المباشرة، ومسؤوليتها عن إدارة ملف الضحية بعد الحرب، وما شاب تلك الإدارة من تناقضات وتضليل ونقص في الشفافية. وبناء على هذا التقسيم، اعتبر القضاة أن امتناع السلطات، طوال فترة زمنية ممتدة، عن تعبئة ما لديها من أدوات لإجلاء الحقيقة أمام الأسرة، يشكل خطأ إداريًا قائمًا بذاته، يستوجب تعويضًا معنويًا عن المعاناة التي سبّبها هذا الغموض المتواصل وعدم الاعتراف الكامل، وحددوا قيمة التعويض بمبلغ 10,000 يورو لصالح ابن الجندي.
هذا الحكم يعد سابقة في ارتباطه بمأساة تيرايوي، ليس فقط لأنه يمنح ابن الجندي تعويضًا رمزيًا عن ضرر معنوي، بل لأنه يقر بأن الحق في معرفة الحقيقة، ولو بعد عقود، جزء من المسؤولية التي تتحملها الدولة تجاه من قاتلوا في صفوف جيشها من خارج التراب الوطني. كما يفتح القرار الباب أمام عائلات أخرى لتقديم دعاوى مشابهة، انطلاقًا من منطق قانوني يعتبر أن تصحيح وضع إداري متأخر لا يكفي ما لم يترافق مع جهد حقيقي لتوضيح ما جرى، ومع احتمال الاعتراف بوجود تقصير أو كتمان سابقين، ولو دون إدانة جزائية مباشرة.
يتقاطع هذا التطور القضائي مع نقاش أوسع في فرنسا وحولها حول موقع الجنود الأفارقة في سردية الحرب العالمية الثانية، وحول الذاكرة الاستعمارية والعسكرية في القارة الإفريقية. فالتيرايور الذين جُندوا من السنغال وبلدان غرب إفريقيا قاتلوا على جبهات عدة، ثم عاد كثيرون منهم ليصطدموا بواقع قانوني واجتماعي مختلف عن رفاقهم الأوروبيين من حيث الرواتب والمعاشات والاعتراف الرمزي. ومن ثمّ، يبدو حكم المحكمة الإدارية في باريس حلقة جديدة في سلسلة خطوات ترمي إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة الفرنسية وأحفاد هؤلاء الجنود، لا عبر الخطاب السياسي وحده، بل أيضًا عبر مسارات قضائية وإدارية تعيد النظر في الرواية الرسمية للأحداث وتترك أثرًا ملموسًا في حياة بعض العائلات المعنية مباشرة بهذه الذاكرة المؤلمة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/95674835/adan-f...

المكتبات الرقمية السرية: تحدي احتكار المعرفة العلمية
