المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

أنبوبان لغاز واحد: صراع المسارات في الساحل بين الجزائر والمغرب


الاثنين 14 سبتمبر 2026 à 12:07 |




في 30 غشت 2026، هبطت أربع مقاتلات جزائرية من طراز سو-30 في مطار نيامي، ترافقها طائرة تزود بالوقود وأخرى للنقل محمّلة بمروحيات. المشهد كسر تقليداً التزمت به الجزائر منذ استقلالها عام 1962: عدم إرسال قواتها خارج حدودها. والمفارقة أن الجيش الجزائري ذهب لدعم نظام الجنرال عبد الرحمن تياني، الذي أطاح عام 2023 بالرئيس محمد بازوم في انقلاب أدانته الجزائر حينها بشدة. وبعد محاولة انقلاب مضاد يومي 28 و29 أغسطس 2026 هددت حكم تياني، ردّت الجزائر هذه المرة بالسلاح.



يُفسَّر هذا الانقلاب في السياسة الجزائرية بخط أنبوب غاز يحمل اسم Trans-Saharan Gas Pipeline (TSGP)، ويُعرف أيضاً بـNIGAL، يهدف إلى نقل غاز نيجيريا -صاحبة أكبر احتياطي في القارة الإفريقية بأكثر من 210 تريليون قدم مكعب- عبر الصحراء إلى الجزائر ثم أوروبا. تعود فكرة المشروع إلى ثمانينيات القرن الماضي، لكنه ظل نائماً بسبب عدم الاستقرار في الساحل والخلافات الدبلوماسية، إلى أن جاء التقارب الجزائري النيجري: ففي نوفمبر 2025 هنّأ تياني الرئيس تبون بعيد الثورة الجزائرية، وفي فبراير 2026 استُقبل في الجزائر لإعلان إحياء المشروع مع تعزيز التعاون الأمني.


تندرج سلسلة القرارات الجزائرية طوال عام 2026 ضمن منطق واحد: تأمين طريق بري يمتد أكثر من أربعة آلاف كيلومتر يتطلب استقراراً في دول العبور. فبعد قطيعة استمرت خمسة عشر شهراً، أعلنت الجزائر ومالي في 10 يوليو 2026 عودة سفيريهما وفتح أجوائهما، في خطوة خدمت المشروع الغازي مباشرة. والأكثر دلالة هو تخلي الجزائر عن حلفائها التقليديين من حركات الطوارق التي كانت تستخدمها كورقة نفوذ، بعدما أصبحت تلك الحركات عقبة أمام الجنتا الحاكمة في باماكو ونيامي اللتين تحتاجهما الجزائر لتأمين ممرها.


في المقابل، يراهن المغرب على مشروع الغاز الأفريقي الأطلسي (AAGP)، الذي يمتد قرابة 6800 كيلومتر عبر ثلاث عشرة دولة ساحلية من نيجيريا وصولاً إلى المغرب، حيث يتصل بأنبوب المغرب-أوروبا القائم أصلاً. وفي 19 يوليو 2026، وقّع قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا في فريتاون اتفاقاً حكومياً حوّل المشروع من مبادرة ثنائية بين الرباط وأبوجا إلى مبادرة إقليمية. ويعتمد هذا المسار على ميناء الداخلة كمحور لوجستي، وعلى ما يُعرف بالمبادرة الأطلسية التي تمنح دول الساحل غير الساحلية -مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد- منفذاً على المحيط.


يختلف تمويل المشروعين اختلافاً جوهرياً. يقود الجانب البري تحالف من شركات وطنية: سوناطراك الجزائرية، شركة النفط النيجيرية الوطنية NNPC، وسونيديب النيجرية، بمشاركة الإيطالية Eni والاتحاد الأوروبي كمستفيد أوروبي رئيسي عبر أنبوب ترانسميد نحو إيطاليا. أما المسار الأطلسي فيحظى بتمويل أوسع بكثير: المكتب الوطني المغربي للمحروقات والمعادن ONHYM إلى جانب NNPC، وتمويل من الإمارات العربية المتحدة، البنك الأوروبي للاستثمار، البنك الإسلامي للتنمية، وصندوق أوبك للتنمية الدولية، إضافة إلى شركات نفطية كبرى مثل توتال إنرجيز وشل وشيفرون وبي بي وإكسون موبيل، ليصل الغاز عبر أنبوب المغرب-أوروبا إلى إسبانيا.


وبحسب تحليل نشرته مجلة Conflits الفرنسية المتخصصة في الجيوسياسة، فإن الرهان يتجاوز التنافس بين الجارين المغاربيين ليصل إلى السيطرة على صنبور الطاقة الأوروبي المستقبلي. فمن يتحكم في إيصال الغاز النيجيري سيملك نفوذاً كبيراً على بروكسل التي تبحث بيأس عن بديل للغاز الروسي. وبالنسبة للجزائر، يرتبط هذا النفوذ بملف الصحراء الغربية الذي تدعم فيه جبهة البوليساريو، بينما يريد المغرب من نجاح مساره الخاص أن يرسّخ مغربية الصحراء بجعل الداخلة نقطة انطلاق ممر طاقي قاري معترف به من ثلاث عشرة دولة إفريقية ومؤسسات تمويل دولية كبرى.


يبقى عامل عدم اليقين حاضراً بقوة: تأمين أكثر من أربعة آلاف كيلومتر من الأنابيب عبر مناطق تنشط فيها جماعات مسلحة وتهريب عابر للحدود مهمة شاقة، وإرسال المقاتلات إلى نيامي دليل على أن الاستقرار السياسي وحده لم يعد كافياً. اختارت الجزائر رهان القارة، واختار المغرب رهان المحيط، وقد تكون الجغرافيا، أكثر من الجيوش، هي الفيصل في النهاية.





المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98019718/g...



Rss
Twitter
Newsletter