المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

هل تغيير الرأي علامة ضعف أم نضج؟


الخميس 17 سبتمبر 2026 à 22:52 |




في نقاش عائلي حاد حول قضية يتحمس لها الجميع، يسمع أحدهم حجة لم يفكر فيها من قبل، فيشعر للحظة أن موقفه القديم يهتز. لكنه لا يقول شيئًا؛ فالجميع يعرف رأيه منذ سنوات، وأي تراجع علني قد يبدو أمامهم كخيانة لصورته المعتادة. يبتلع ملاحظته، ويكرر حجته المعهودة بصوت أهدأ قليلاً، بينما يستمر السؤال يعمل في داخله بصمت طوال الطريق إلى البيت: هل كنت مخطئًا طوال هذا الوقت؟



السؤال

هل تغيير رأينا علامة على الضعف والتقلب، أم قد يكون أحيانًا الدليل الأوضح على النضج الفكري؟


الفكرة

الرأي محاولة لفهم العالم في لحظة معينة: ما نراه عادلًا أو صحيحًا أو ممكنًا أو خطيرًا، وهو يتشكّل من تجاربنا، ومن البيئة التي نشأنا فيها، ومن اللغة التي وصلتنا بها الأخبار، ومن الأشخاص الذين نثق بهم. لكننا كثيرًا ما نخلط بين الفكرة وصاحبها: فإذا قيل لنا إن رأينا يحتاج إلى مراجعة، لا نسمع "هناك معطى جديد"، بل نسمع "أنت ساذج" أو "أنت خنت جماعتك". لهذا يصبح التراجع مؤلمًا، ليس فقط لأنه صعب عقليًا، بل لأنه قد يهدد موقعنا داخل عائلة أو جماعة أو تيار سياسي أو مهني. تغيير الرأي إذن ليس مجرد انتقال من جواب إلى جواب؛ إنه أحيانًا إعادة تفاوض مع صورتنا أمام أنفسنا وأمام الآخرين.

يفسر علم النفس المعرفي جزءًا من هذا التشبث بمفهوم راسخ منذ عقود هو التحيز التأكيدي: الميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤيد ما نعتقده سلفًا، وتفسير الأدلة الغامضة وتذكّرها بطريقة تخدم موقفنا القائم، بدل تقييمها بحياد. وفي زمن المنصات الرقمية، يأخذ هذا الميل بعدًا جماعيًا: تكافئ الخوارزميات اليقين السريع والموقف الحاد والعبارة القابلة للمشاركة، لا التردد المدروس أو عبارة "لا أعرف بعد"، فيتحول النقاش من سؤال "ما الأدلة؟" إلى سؤال "مع أي معسكر أنت؟". لهذا لا يكون الرأي دائمًا فكرة نمتلكها؛ قد يصبح شيئًا يمتلكنا.


الصوت الثاني

غير أن هذا لا يعني أن كل تغيير في الرأي فضيلة بذاتها. فمن يبدّل مواقفه مع كل موجة غضب أو مع الشخص الأقوى في الغرفة ليس أكثر انفتاحًا، بل ربما أقل استقلالًا. الفارق الحاسم ليس في اتجاه التغيير، بل في سببه: هل جاء بعد اختبار جاد لدليل جديد أو رواية مغايرة أكثر إنصافًا مما تخيلنا، أم جاء استجابة لضغط اجتماعي أو خوفًا من الوحدة داخل الجماعة؟ الثبات الناضج يستطيع أن يقول "قد أكون مخطئًا" ويشرح حدود موقفه وشروطه، بينما العناد يرفض الدليل قبل النظر فيه، ويحوّل الرأي إلى يقين مطلق لا يُمس، ويعامل أي شك بشأنه كخيانة أو ضعف.


السياق العربي

يملك تراث الفقه الإسلامي مثالًا شهيرًا على هذا التمييز بين التراجع الناضج والعناد: الإمام الشافعي، الذي غيّر عددًا من اجتهاداته الفقهية بين إقامته في العراق وإقامته لاحقًا في مصر، حتى صار يُعرف الفرق بين المرحلتين بـ"القول القديم" و"القول الجديد". لم يكن هذا التراجع عيبًا في نظر تلاميذه ومن جاء بعدهم من الفقهاء، بل دليلًا على أن الاجتهاد أداة تُعاد مساءلتها كلما تغيّرت المعطيات أو اتسعت التجربة، لا حكمًا نهائيًا يُغلَق عليه صاحبه إلى الأبد. وهذا النموذج التاريخي يظل مادة للتفكير في نقاشاتنا العربية المستقطبة على منصات التواصل اليوم، حيث يُنظر أحيانًا إلى أي تراجع فكري أو سياسي على أنه ضعف أو خيانة، بينما قد يكون العكس هو الأقرب إلى الصواب.


ما الذي يبقى؟

ربما لا نحتاج إلى أن نكون محايدين تمامًا؛ فالحياد الكامل وهم في مسائل كثيرة. لكن يمكن أن نكون أمناء تجاه انحيازاتنا، وأن نعطي الرأي المخالف أفضل صياغة ممكنة قبل رفضه. ويبقى السؤال الأصعب مفتوحًا: ليس لماذا نغيّر رأينا أحيانًا، بل ما الذي يجعل رأيًا بعينه غير قابل للتغيير لدينا، حتى لو تغيّر العالم من حولنا؟


للقراءة

مفهوم "التحيز التأكيدي" مادة راسخة في علم النفس المعرفي منذ تجارب بيتر واسون في ستينيات القرن الماضي، وهو متداول في مراجع تعليمية غربية عديدة؛ لم يُدرَج هنا رابط محدد إليه لأن المصدر الذي وردنا لم يكن بالإمكان التحقق من محتواه تقنيًا في وقت إعداد هذا المقال. أما "القول القديم والقول الجديد" للإمام الشافعي فمعلومة مستقرة في مصادر تاريخ الفقه الإسلامي، تُذكر هنا بوصفها خلفية تاريخية عامة لا تستدعي رابطًا واحدًا بعينه.


اقرأ أيضًا في شبكتنا

من فِكرة نفسها: لماذا نخاف من البقاء وحدنا؟ وهل السعادة واجب؟




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98031909/hal...



Rss
Twitter
Newsletter