أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا صاروخها الثقيل «نظام الإقلاع الفضائي» في مهمة «أرتيميس 2» من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا، في أول رحلة مأهولة نحو القمر منذ أكثر من نصف قرن، بعدما تم تثبيت موعد الإقلاع في الأول من أبريل ٢٠٢٦ عقب سلسلة من التعديلات التقنية على جدول الإطلاق. وتمثل هذه الرحلة خطوة اختبارية محورية في برنامج «أرتيميس» الهادف إلى إرساء وجود بشري مستدام قرب القمر خلال الأعوام المقبلة، بعد أن اقتصرت العقود الماضية على الرحلات المأهولة في المدار المنخفض حول الأرض دون تجاوز مسافة أبولو التاريخية.
تتألف الطاقم من أربعة رواد هم القائد ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، وأخصائية المهمة كريستينا كوك، وجيريمي هانسن الموفد من وكالة الفضاء الكندية، في تشكيلة تجمع للمرة الأولى في مهمة قمرية رائدة امرأة ورائد فضاء من أصحاب البشرة الملونة وممثلاً عن شريك دولي. وتمتد الرحلة لنحو عشرة أيام يجري خلالها الرواد اختبارات منهجية على أداء الصاروخ «نظام الإقلاع الفضائي» ومركبة «أوريون» في بيئة الفضاء السحيق، بما يشمل مراحل الدفع البعيدة عن الأرض، والاتصالات، وأنظمة دعم الحياة، تمهيداً لتوظيف النتائج في التخطيط لمهمات لاحقة تهدف إلى الهبوط فوق سطح القمر.
من الناحية المدارية، من المنتظر أن تنطلق المركبة أولاً في مدار حول الأرض قبل الانفلات نحو مسار عودة حرة يلتف حول القمر ثم يعيد الطاقم إلى الغلاف الجوي الأرضي، في رحلة تتجاوز في امتدادها المسافة التي بلغتها رحلة «أبولو ١٣» عام ١٩٧٠، ما يمنح فريق المهمة فرصة مراقبة أداء الأنظمة على مسافات لم تختبرها رحلات مأهولة سابقة. وينتظر أن تبدأ صور المهمة الأولى في الوصول إلى الأرض بعد نحو ستة أيام من الإقلاع، عند اقتراب المركبة من نقطة التحليق الأبعد عن كوكبها الأصلي، وهو ما يمنح الجمهور والعاملين في قطاع الفضاء مادة بصرية مباشرة حول عودة الإنسان إلى جوار القمر بعد انقطاع دام ٥٤ عاماً.
حظي الإطلاق بمتابعة جماهيرية واسعة، إذ قدّر عدد الذين تابعوا البث المباشر عبر المنصات المختلفة بأكثر من ثلاثة ملايين شخص، في دلالة على الحضور المتزايد لمهمات الفضاء في الفضاء الرقمي المفتوح، حيث يتداخل المحتوى الرسمي الذي تنتجه ناسا مع مقاطع الهواة والتحليلات المتخصصة. وتوظف الوكالة منذ سنوات قنواتها على شبكات التواصل وشراكاتها الإعلامية لبناء سردية متكاملة حول برنامج «أرتيميس»، تجمع بين الخطاب العلمي والتقني والأبعاد الرمزية لعودة الرواد إلى جوار القمر ومشروع استخدامه منصة للانتقال إلى كواكب أخرى.
إحدى الزوايا اللافتة التي رافقت الإطلاق تمثلت في مقاطع مصورة التقطها ركاب رحلات جوية مدنية تزامنت مع لحظة إقلاع الصاروخ، حيث انتشر على نطاق واسع مقطع صُوِّر من طائرة تحلّق بين أتلانتا وبورتو ريكو يظهر عمود العادم المنطلق من منصة الإطلاق على ساحل فلوريدا، في لقطة نادرة تجمع منظوري الطيران المدني ورحلات الفضاء في إطار واحد. وأثار هذا المشهد تعليقات متباينة على المنصات الاجتماعية بين من عدّه فرصة استثنائية لمشاهدة حدث تاريخي من ارتفاع كبير، ومن أبدوا تساؤلات حول مسافة الأمان بين الطائرة ومسار الصاروخ، رغم اعتماد إجراءات تنظيم المجال الجوي حول مركز الإطلاق وفق ضوابط سلامة تتولاها سلطات الطيران والفضاء المختصة.
يتقاطع البعد الجماهيري للمهمة مع رهانات قطاع الفضاء في الولايات المتحدة وشركائها، إذ يُنظر إلى نجاح «أرتيميس 2» بوصفه اختباراً عملياً لموثوقية البنية التحتية الجديدة التي طورتها ناسا وشركات متعاقدة معها للانتقال من مرحلة الاستعراض التقني إلى تشغيل رحلات مأهولة منتظمة نحو جوار القمر. كما تشكل الرحلة خطوة أساسية في مسار يستهدف إطلاق مهمة لاحقة للهبوط فوق سطح القمر، بما يفتح الباب أمام مشاريع بحثية وتجارية وصناعية تعتمد على استثمار الموارد القمرية وإقامة بنية لوجستية تدعم خطط الذهاب أبعد في النظام الشمسي خلال العقود المقبلة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/95809969/nasa-tstan...

مالكة حميدي وتحولات النسويات ذات المرجعية الإسلامية
