في دراسة نشرها موقع الثوابت الدينية المغربية الإفريقية، يسعى الدكتور أنس عبد الهادي الحسيسن، من تطوان، إلى «نفض الغبار» عن التصوف وإبراز قيمته الحقيقية ووظائفه، مبينًا ما أعطته التربة المغربية من صلحاء قدّموا خدمات جليلة للمجتمع.
جذور التصوف المغربي
يرى الباحث أن التصوف المغربي انطلق من الزهد المتولد من النص القرآني، وأن كثرة التعبد من صلاة ونوافل وصيام وقيام ليل وجدت سندها في الحديث القدسي عن التقرب بالنوافل. ويذكر تجربة التهامي الوزاني بوصفها نموذجًا للانقطاع إلى العبادة. ثم يتتبع انتشار التصوف في العهد الموحدي، ويعدّ القرن السادس الهجري محطة تحول في المشهد الفكري، إذ تراجعت مذاهب كانت معروفة وعمّ التصوف السني القرن الذي بعده، مستشهدًا بتقسيم علال الفاسي لمراحل التصوف المغربي إلى أربع.
ويخلص إلى أن التصوف المغربي اتخذ موقعًا وسطًا في باب التوحيد والصفات، وبقي مرتبطًا بالفقه والحديث والمذهب المالكي، مبتعدًا عن مباحث الحلول ووحدة الوجود. كما غلب عليه الاتجاه الأخلاقي السلوكي على المنحى الفلسفي، وهو ما يظهر، بحسب الباحث، في «التشوف» وفي «دلائل الخيرات».
مميزات التصوف المغربي
الوسطية: يرى الباحث أن المتصوفة المغاربة ظلوا بمنأى عن الشطحات والتجريدات الفلسفية، وجمعوا بين الفقه والتصوف، فحصّنهم ذلك من الغلو. ويقارنهم ببعض متصوفة الأندلس الذين تأثروا بالفلسفة اليونانية ومقولات مثل وحدة الوجود والحلول.
العدالة والسلم الاجتماعي: يذكر أن الصلحاء رفضوا الظلم بطرق سلمية، وتوسطوا بين القبائل وبين الدولة والرعية، وأنهم دعوا إلى التسامح دون تمييز، وانفتحوا حتى على الأقليات الدينية في المناسبات.
الارتباط بالعمل: بقي التصوف المغربي بعيدًا عن الرهبانية والانعزال، وكان من متصوفته الحرفيون والمزارعون والرعاة والمدرسون، وأسهموا في عمارة الأرض واستنباط المياه والإشراف على الأسواق وتأمين القوافل التجارية.
الذكر والخلوة والكرامة: يتوقف الباحث عند الذكر ركنًا في السلوك، وعند المجاهدة والخلوة والمحبة الإلهية، ثم عند الكرامات في كتب المناقب، مؤكدًا أن أعلام التصوف المغربي جعلوا اتباع الكتاب والسنة شرطًا للانتماء إلى طريقهم.
التأثير الشاذلي
يخصص الباحث مبحثًا لأبي الحسن الشاذلي، فيعرض أربع مراحل في حياته: نشأته في شمال المغرب، وطلبه للعلم الباطني ولقاؤه بشيوخه، ثم رحلاته، ثم صحبته لعبد السلام بن مشيش وانطلاقه بعدها إلى تونس ومصر. ويبرز أن الشاذلي جمع بين علمي الظاهر والباطن، ولم يحرص على بناء الزوايا بل جعل المسجد مكانًا للتربية، قريبًا من هموم الناس. وتتحدث المصادر التي نقل عنها عن اختلاف في سنة ولادته، لذلك لم نثبت تاريخًا محددًا.
نماذج من الأعلام
الجزولي: اشتهر بأحزابه وأذكاره وتصلياته أكثر مما اشتهر بالتنظير، وجعل الجانب التطبيقي أولويته. ويعتبره الباحث صلة وصل بين الشاذلية والمشيشية. ولمعرفة أثر هذه الحركة في السياسة والمجتمع يمكن الرجوع إلى قراءة أقطاب حول السعديين والجزولية.
أحمد زروق: يرى الباحث أن إصلاحه الصوفي قام على الاعتماد المطلق على الكتاب والسنة، والاعتدال في الدين والدنيا، واحترام الفكر الآخر دون غلو، والعناية بالذكر والصلاة على الرسول. ويصفه بـ«محتسب الصوفية» لنقده الانحرافات.
ابن يجبش: متصوف شاعر من فاس اشتهر بقصيدته «المنفرجة»، وعمل على الوعظ والإرشاد بأسلوب رصين، في حقبة اختمر فيها التصوف على يد شيوخ كبار.
خلاصة
يخلص الحسيسن إلى أن هؤلاء الأعلام نماذج لصلحاء جمعوا بين الظاهر والباطن وبين الشريعة والحقيقة، وارتبطوا بقضايا وطنهم، وامتد إشعاعهم إلى إفريقيا بفضل التوجه السني الذي أخذ به المغاربة. ويدعو إلى استحضار مبادئ التصوف السني الوسطي في عصر العولمة، لتحصين سلوك الفرد وترسيخ ثقافة التسامح ونبذ خطاب التطرف والكراهية.
للمزيد حول التصوف المغربي:
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/98302587/...










