بعد خمس سنوات على إجراءات 25 يوليو 2021، تعيش تونس على وقع أزمة مزدوجة: نظام سلطوي يزداد تشدداً، واقتصاد يعجز عن تأمين الأساسيات من ماء وكهرباء. وفي حلقة من «بودكاست الشرق» حاوره فيها الصحفي عبد الرحمن ناصر، يقدّم الباحث حمزة المؤدّب، الزميل في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط، قراءة مفصّلة لبنية الحكم في تونس اليوم، خلاصتها أن البلاد أمام «نظام مأزوم» يحكم «مجتمعاً متعباً»، وأن الرئيس قيس سعيّد، رغم صلاحياته الواسعة، ليس وحده من يمسك بالقرار.
صيف الانقطاعات وشارع يتّسع غضبه
يربط المؤدّب موجة الاحتجاجات الأخيرة بسياق خانق: انقطاعات متكررة للكهرباء والماء خلال صيف اقتربت فيه الحرارة من 50 درجة في بعض المناطق، وتضخم وبطالة، يقابلها تصاعد في القمع. فقد ثبّتت محكمة التعقيب في 3 سبتمبر 2026 الأحكام الصادرة في قضية «التآمر على أمن الدولة» بحق 34 شخصاً، بعقوبات تراوحت بين خمس سنوات و45 عاماً، بحسب هيومن رايتس ووتش. وبعد يوم واحد أُوقف الصحفي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة»، الذي يواجه تهماً مالية تعتبرها النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين مرتبطة بعمله الصحفي.
يلاحظ الباحث أن الجديد في هذه التحركات هو حجمها، إذ يقدّر عدد المشاركين في بعض مظاهرات العاصمة بأربعة إلى خمسة آلاف شخص رغم أجواء الخوف. لكنه يحذّر من المبالغة في قراءتها: فالأحياء الشعبية والمناطق الداخلية، التي صنعت المنعطفات الكبرى في تاريخ البلاد من أحداث 1978 و«انتفاضة الخبز» سنة 1984 إلى ثورة 2011، لم تلتحق بعد بالشارع. والأهم، في نظره، أن الغضب المعيشي يفتقر إلى «رافعة سياسية» تحوّله إلى مطالب قابلة للتفاوض، بعد ما يسميه «تجريف» الساحة الحزبية والنقابية والجمعياتية.
أزمة طاقة وخطاب المؤامرة
يُرجع المؤدّب أزمة الكهرباء إلى تبعية طاقية حادة: فبحسب تقديراته، يأتي نحو 90 في المئة من الغاز المستهلك في تونس من الجزائر، ويُستورد جزء من الكهرباء مباشرة عبر الشبكة المشتركة. ويضيف أن استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز تراجعت بشدة خلال السنوات الأخيرة، وأن حصة الطاقات المتجددة لا تتجاوز 5 إلى 7 في المئة من إنتاج الكهرباء، مقابل نحو 20 إلى 25 في المئة في المغرب.
غير أن الخطاب الرسمي، كما يقول، يفضّل تفسير الانقطاعات بـ«مؤامرة» و«غرف مظلمة» وأيادٍ خفية، بدل الإقرار بالأزمة المالية وبتآكل الشبكات، إلى حد استدعاء مهندسين ومسؤولين في الشركات العمومية للتحقيق. ويعدّ الباحث ذلك حالة «إنكار» تحوّلت إلى أداة حكم، يقدّم فيها الرئيس نفسه في صورة المنقذ الذي يخوض حرباً لا تنتهي ضد عدو مبهم.
خمس أدوات لبناء النظام
يرسم الباحث مسار تشييد النظام منذ 2021 عبر أدوات متتالية: المرسوم 54 الذي استُخدم لملاحقة صحفيين ومدوّنين ومواطنين بسبب منشورات ناقدة؛ ثم حملات التوقيف وتعليق نشاط جمعيات، خصوصاً تلك العاملة في حقوق الإنسان والهجرة؛ ثم تطويع القضاء بحلّ المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء 57 قاضياً، وتحويله في دستور 2022 من «سلطة» إلى «وظيفة»؛ ثم شلّ الاتحاد العام التونسي للشغل بإلغاء التفاوض الاجتماعي ووقف تحويل الاشتراكات من رواتب الموظفين إلى خزينته، مستفيداً من أزمته الداخلية حول تمديد ولاية قيادته؛ وأخيراً سجن طيف واسع من قادة المعارضة، من راشد الغنوشي إلى عبير موسي.
ويستحضر المؤدّب ضعف الإقبال على الاستحقاقات التي أرادها سعيّد استفتاءً على مشروعه، إذ لم تتجاوز المشاركة نحو 11 في المئة في الانتخابات التشريعية، وظلت دون 30 في المئة في رئاسيات 2024، ليصف ما يجري بأنه «شعبوية بلا شعب»، تستثمر في مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام من النخب، بدل بناء قاعدة اجتماعية واضحة.
رئيس قوي… لكنه لا يحكم وحده
الفكرة المحورية في الحلقة أن التركيز على شخص الرئيس يحجب «نظام قيس سعيّد». فبخلاف الحبيب بورقيبة الذي حكم بشرعية الاستقلال وبحزب جماهيري، وزين العابدين بن علي ابن المنظومة الأمنية، جاء سعيّد من خارج الدولة بلا حزب ولا كوادر. لذلك يرى المؤدّب أنه يحتاج إلى دعم الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية والجهاز الإداري أكثر مما تحتاج هي إليه. ويشير إلى الدور المتنامي للأمن الرئاسي بوصفه «بوابة» للتأثير في الرئيس، وإلى ما يُتداول عن دور غير رسمي لشقيقه، وإلى اعتماده على وزراء ورؤساء حكومات من الإدارة، مستخدماً «العصا والجزرة»: الترقيات من جهة، وملاحقات «مكافحة الفساد» التي طالت مديرين عامين في شركات عمومية من جهة أخرى.
أما الجيش، المهمّش تاريخياً منذ عهد بورقيبة خوفاً من الانقلابات، فيذكّر الباحث بأنه راكم بعد 2011 موارد ونفوذاً بفضل الحرب على الإرهاب، وحصول تونس سنة 2015 على صفة «حليف رئيسي من خارج الناتو»، وتضاعف ميزانية الدفاع. ويرى المؤدّب أن موقف المؤسسة العسكرية كان حاسماً في 25 يوليو 2021، مستشهداً بفشل محاولة مماثلة في كوريا الجنوبية سنة 2024 لغياب دعم الجيش، وأنها اختارت دور «صانع الملك» مع الحفاظ على مسافة من الحكم. وخطّها الأحمر، في تقديره، هو تموقع البلاد الاستراتيجي ضمن المنظومة الغربية، رغم خطاب الرئيس عن الصين وروسيا.
الجزائر وأوروبا: الاستقرار قبل الديمقراطية
إقليمياً، يقرأ المؤدّب التقارب مع الجزائر في ضوء التنافس الجزائري المغربي وقطع العلاقات بين البلدين في أغسطس 2021: فالجزائر، القلقة من عزلتها، باتت تعتبر تونس جزءاً من أمنها القومي، وتدعم النظام عبر الغاز وتسهيلات السداد وأمن الحدود. وتُوّج ذلك باتفاق تعاون دفاعي وُقّع في الجزائر في 7 أكتوبر 2025، لم يُنشر نصّه رسمياً، وأثارت وثائق مسرّبة يُشكَّك في صحتها جدلاً حول بنود قد تمسّ السيادة التونسية، فيما قدّمه وزير الدفاع التونسي على أنه تحديث لاتفاق يعود إلى 2001. ويرى الباحث أن استقبال سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو سنة 2022 شكّل قطيعة مع تقليد الحياد التونسي في نزاع الصحراء.
أوروبياً، يتحدث عن «مثلث شعبوي» يجمع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني وقيس سعيّد، تشدّه ثلاثة ملفات: الطاقة عبر أنبوب «ترانسميد» الذي ينقل الغاز الجزائري إلى إيطاليا مروراً بتونس، والهجرة التي أفرزت مذكرة التفاهم بين الاتحاد الأوروبي وتونس سنة 2023 بدفع إيطالي، والأمن في سياق الحرب الروسية على أوكرانيا. وخلاصته أن أولوية «الاستقرار» تقدّمت على ملف الديمقراطية، وأن هذا السياق الدولي ساعد على ترسيخ ما يسميه «الانقلاب البطيء».
ثلاثة عوامل قد تحسم المرحلة المقبلة
يحدّد المؤدّب ثلاثة عوامل قد تكسر ما يسميه «معادلة العجز»: قيمة الدينار التي جعلتها السلطة «المتراس الأخير» لإدارتها الاقتصادية في بلد يستورد معظم حاجاته من الطاقة وجزءاً كبيراً من الحبوب؛ واتساع الاحتجاجات إلى الأحياء الشعبية والجهات الداخلية؛ وظهور رافعة سياسية تقدّم بديلاً مقنعاً. ويرى أن ضغط الشارع قد يدفع الأجهزة، غير المتجانسة، إلى التساؤل عن كلفة الإبقاء على رأس نظام صار عبئاً عليها، أو إلى محاولة الالتفاف على الأزمة بانفتاح محدود، كالإفراج عن معتقلين أو الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها.
وبعد خمسة عشر عاماً على الثورة، يخلص الباحث إلى دروس كبرى: أن الديمقراطية لا تصمد «بلا ديمقراطيين» ولا من دون منجز اقتصادي واجتماعي، وأن كلفة فشلها تُدفع من سيادة البلدان وكرامة مواطنيها، وأن الأحزاب والنقابات مطالبة بإعادة التفكير في أدوات العمل السياسي، في زمن صار فيه الفضاء الرقمي ساحة التنافس الأولى. وتبقى هذه القراءة تحليلاً لباحث واحد، في مقابل رواية رسمية تنفي أي تقييد للحريات وتؤكد أنها «مضمونة» في تونس.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98347947/t...










