تبدأ الكاتبة قصتها بمشهد عاشته الشهر الماضي في صالة رجال الأعمال بمطار دلهي، حيث أمضى رجل يجلس بجانبها يرتدي قميص كتان أنيقا أربعين دقيقة كاملة في مكالمة هاتفية عبر مكبر الصوت، تملأ ضوضاء حديثه التافه أرجاء القاعة، في مفارقة ساخرة أنه كان يضع سماعة إلغاء الضوضاء حول عنقه دون استعمالها. لم يعترض أحد في القاعة، واكتفى الجميع بتبادل نظرات صامتة تتساءل عن سبب هذا السلوك، قبل أن يعود كل واحد إلى شاشته، تاركين المجال للأكثر ضجيجا بينهم.
وتلاحظ الكاتبة أن هذا السلوك ليس استثناء، فكثير من الهنود يجرون مكالمات هاتفية طويلة وسط ضجيج المطاعم، ويشغّلون مقاطع فيديو بصوت مرتفع في الأماكن العامة، ويرفضون الوقوف في الطوابير، ولا يراعون حرمة المساحة الشخصية للآخرين، وكأن كل واحد يوجّه دروسا في السلوك دون أن يطبقها على نفسه. ويسهل استنتاج أن الجميع يعتقد أن كل شيء مباح له، لكن التفسير الحقيقي أعمق من ذلك.
هناك تفسيرات معتادة لهذه الظاهرة: في الهند، يُنظر إلى الفضاء العام على أنه ملكية للحكومة، أي بمثابة مكب نفايات مشترك، إذ نادرا ما يُكافأ احترام القانون بينما لا يترتب على مخالفته عواقب تُذكر. كما أن الكثافة السكانية المرتفعة تحوّل كل تصرف يومي إلى مسألة بقاء، وأمام نقص الموارد، يصبح المثل الهندي "عدّل الأمور بنفسك" (adjust kar lo) ردة فعل منطقية، في حين يغذي غياب التنظيم أو الرقابة فوضى دائمة.
لكن الكاتبة تستند إلى مفهوم "اللامبالاة المدنية" الذي صاغه عالم الاجتماع الكندي إرفينغ غوفمان لوصف اتفاق ضمني يجعل الحياة اليومية في المدن الحديثة قابلة للعيش، ويقوم على الإقرار بوجود الغريب بنظرة عابرة، ثم صرف النظر عنه عمدا، كإشارة إلى الاعتراف بوجوده دون التدخل في شأنه. ويعني ذلك قبول الآخر كمواطن مساوٍ، له نفس الحق المشروع في الهدوء العام الذي نطالب به لأنفسنا.
وتشير الكاتبة إلى أن المشكلة تكمن في أن الفضاء العام في الهند لا يزال، من الناحية العاطفية، غير ناضج بما يكفي، إذ استوردت الهند جماليات الحياة الكوسموبوليتية قبل أن تستوعب قواعدها الأخلاقية الداخلية. فالهنود يتقنون متابعة الموضة، أو حجز مطعم، أو شراء تذكرة طائرة، لكنهم لم يستوعبوا بعد أن تقاسم الفضاء يتطلب ضبطا جماعيا للنفس. وتضيف أن الحياة اليومية في الهند تقوم إلى حد كبير على الألفة والتراتبية الاجتماعية: فكل شخص هو ابنة فلان، أو معرفة فلان الآخر، أو من طبقة أدنى أو أعلى، ولا وجود لغريب محايد في المجتمع، إذ يستحق الغريب الاهتمام فقط إذا أمكن تصنيفه، وإلا أصبح غير مرئي تماما.
من هذا المنظور، فإن الرجل الذي تحدث بمكبر الصوت في صالة المطار لم يكن فظّا فحسب، بل إنه لم يأخذ وجود الآخرين بعين الاعتبار أصلا: فأنت لست زبونه، ولا قريبه، ولا رئيسه، ولا حتى مرؤوسه، بل أنت اجتماعيا "لا أحد" بالنسبة إليه. في المقابل، تتطلب اللامبالاة المدنية عدم تصنيف الغرباء الذين نلتقيهم، وهو أمر أصعب تطبيقا مما يبدو، لأن إرساء المساواة في الفضاء العام يتطلب انضباطا معينا. وبالنسبة لأشخاص نشأوا في ثقافة تُنازَع فيها المساحة المتاحة باستمرار وتُصنَّف هرميا، يصبح تكريس المرء لمساحته الخاصة شكلا من أشكال الفوز، فيتحول الشخص المرئي والصاخب إلى صاحب رأسمال اجتماعي: إذا كان الصمت علامة على قبول موقعه، فإن الضجيج يرفعه إلى قمة السلم الاجتماعي.
فالرجل الذي كان يتحدث بصوت عالٍ في صالة المطار لا يعتبر تصرفه شكلا من أشكال العدوان، بل ينظر إليه كنوع من التحرر، وانتصار صغير على ضيق العالم من حوله. غير أن هذا الانتصار ذو حدين، لأنه يجعل الفضاء العام أكثر عدائية كلما تحصّن كل فرد خلف سماعاته، تحت أنظار المستسلمين المنزعجة. ويتصدع الفضاء العام لأن قلة قليلة منا تقبل أخذ المحيطين بها بعين الاعتبار.
وترى الكاتبة أن هذا الوضع يكشف أيضا سمة هندية نموذجية، هي المودة تجاه المعارف والأشخاص المعروفين، مقابل اللامبالاة تجاه الغرباء: فالهنود يُظهرون كرم ضيافة رائعا وسخاء وفضولا ولطفا مذهلا مع ضيوفهم، لكن الأمر يختلف تماما حين يتعلق بغرباء في الشارع أو في الطابور أو خلفهم في الطائرة، إذ يبقى اللطف مرتبطا بطبيعة العلاقة القائمة، وهو ما قد يفسر صعوبة تحسّن الوضع، فالملاحظة والتطبيق أمران مختلفان: يمكن للمرء أن يلاحظ حسن سير اللامبالاة المدنية في عشرين مدينة دون أن يستوعب الدرس فعليا، لأن ذلك يتطلب تحولا في التصورات الذهنية.
وتخلص الكاتبة إلى أنه لا السفر ولا المال كفيلان بشراء هذا التغيير، لأنه يتطلب تنازلا تصعب على الطبقة الوسطى الهندية القبول به، وهو تضييق كل فرد لمساحته قليلا في مكان مشترك، لإفساح المجال لغريب لا تربطنا به أي صلة، لمجرد أنه موجود. وحين ينهي الرجل مكالمته في المطار، يعيد وضع سماعته على أذنيه، وتعود الصالة إلى هدوء ظاهري، دون أن ينبس أحد بكلمة، وكأن كل واحد قد "تأقلم" بطريقته الخاصة. القصة الكاملة، التي نشرها موقع "سكرول.إن" الهندي بالإنجليزية ونقلتها مجلة كورييه انترناسيونال، متاحة للمشتركين في الموقع الفرنسي.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97765283/m...










