في زحمة الميزات الجديدة التي تطرحها أدوات الذكاء الاصطناعي كل أسبوع، يكاد المرء ينسى متعة بسيطة: أن يكتب شيئًا بنفسه. هذا ما يقرّ به الكاتب داريوس فوروكس، صاحب ثمانية كتب في الإنتاجية والعادات والفلسفة الرواقية والاستثمار، في تدوينة نشرها على موقعه في 12 أكتوبر 2026. يحنّ فوروكس إلى زمن كان فيه يصارع حواجزه الذهنية، يقلّب ملاحظاته على عجل، ويعود إلى كتبه الورقية والمقاطع التي خطّ تحتها، ويبحث بنفسه عن الدراسات والقصص المتصلة بموضوعه. ثم يسخر من نفسه: من ذا الذي ما زال يبحث بهذه الطريقة اليوم؟ ومع ذلك يخلص إلى أن الكتابة ممتعة، وأننا في حاجة إلى المزيد منها.
ما الذي افتقده الكاتب؟
يكتب فوروكس على الإنترنت منذ عام 2015، ويلاحظ أنه في الفترات التي واظب فيها على الكتابة اليومية كان أكثر انخراطًا في عمله وفي حياته. فالكتابة، في نظره، تمنح الطاقة الإبداعية مجرى تسيل فيه: تبدأ بفكرة أو شعور أو مشكلة أو ملاحظة عابرة، ثم تجلس لتفهمها، فإذا انتهيت وجدت أنك صرت تفهم الموضوع، وتفهم نفسك، أفضل قليلًا.
لم يكن ما افتقده هو نشر المقالات، بل فعل الجلوس واكتشاف ما يريد قوله. فكثيرًا ما نظنّ أننا نعرف ما نؤمن به، ثم نحاول تدوينه فنكتشف أن أفكارنا مبعثرة في كل اتجاه. ويستحضر الكاتب هنا فكرة للصحفي والكاتب الأمريكي ويليام زينسر، صاحب الدليل الشهير «عن الكتابة الجيدة»، مفادها أن كثيرين يُحرمون من إنجاز عمل نافع لأنهم لم يتعلّموا التعبير عن أنفسهم، وأن الكتابة ليست حكرًا على «الكتّاب»، بل مهارة أساسية لعبور الحياة.
ولهذا لا يحتاج المرء إلى تأليف الكتب أو نشر المقالات كي يجني ثمار الكتابة؛ يكفي أن يدوّن يومياته، أو ملاحظات مشروع يعمل عليه، أو أن يشرح لنفسه قرارًا، أو يستعدّ كتابةً لحديث صعب، أو يضع فكرة في كلمات.
خمس ثمار للكتابة اليومية
على مرّ السنين، لاحظ فوروكس أن عادة الكتابة اليومية تحسّن كل جوانب الحياة تقريبًا:
- تفكير أوضح وقرارات أفضل: قد تبدو الفكرة منطقية في الرأس إلى أن تراها على الورق. فالكتابة تبطئ إيقاعك بما يكفي لترى الثغرات والافتراضات والتناقضات، ولهذا يحرص الكاتب على الكتابة قبل أي قرار مهم.
- معرفة أعمق بالذات: عندما تكتب عمّا يزعجك، وعمّا تريده، وعمّا تتجنّبه باستمرار، تصبح الأنماط المتكرّرة أوضح من أن تُتجاهل، فتعرف ما يحرّكك وما يعيقك.
- انضباط أمتن: الكتابة اليومية تعلّمك أن تعمل دون انتظار المزاج المناسب. في بعض الأيام تتدفّق الكلمات، وفي أيام أخرى تكافح لإتمام فقرة واحدة، وكلا اليومين محسوب.
- تعاطف أكبر: الكتابة الجيدة تفرض عليك الخروج من رأسك والتفكير في القارئ: ماذا يعرف؟ وما الذي يقلقه؟ وما الذي ينفعه؟ وهذه العادة نفسها تجعلك أقدر على التعامل مع الناس.
- وسيلة لهضم الحياة: يصف فوروكس الكتابة بأنها كانت دائمًا علاجًا له، إذ تحوّل الشعور الغامض إلى شيء يمكن فهمه، ومتى فهمه صار قادرًا في الغالب على فعل شيء حياله.
ويضيف أن الكتابة خدمت مسيرته المهنية أكثر من أي مهارة أخرى تقريبًا: في المقالات والكتب، ولكن أيضًا في المبيعات والرسائل والدورات التدريبية وخطط الأعمال وشرح الأفكار. فمن يفكّر بوضوح ويُحسن إيصال ما يقصده يصبح أكثر نفعًا في أي مجال يعمل فيه.
الذكاء الاصطناعي: شريك لا خصم
إذا كان الذكاء الاصطناعي بارعًا في الكتابة إلى هذا الحد، فلماذا نكتب بأنفسنا؟ يجيب فوروكس بأننا لسنا مضطرين إلى الاختيار. فالكتابة في جوهرها ترجمة الأفكار إلى كلمات وتقديمها بطريقة يفهمها الآخر، وقد جعل الذكاء الاصطناعي هذه العملية في متناول عدد أكبر من الناس؛ كثيرون ممن لم يعدّوا أنفسهم كتّابًا يوماً صاروا قادرين على ترتيب أفكارهم وتحسين مسوّداتهم ومشاركة أفكارهم أخيرًا.
ويرى الكاتب أن ذلك أمر إيجابي، وأن لا مبرّر للتعالي على من يستعين بأداة. فقد استعنّا دائمًا بالأدوات في الكتابة، من القواميس والمحرّرين إلى المدقّقات الإملائية ومحرّكات البحث، والأدوات لا تكفّ عن التغيّر. لكن ما يبقى حاسمًا هو الدافع إلى الكتابة: هل تحاول أن تفهم شيئًا؟ أن تتّخذ قرارًا أفضل؟ أن تشارك تجربة قد تنفع غيرك؟ أم أنك تستمتع بالخلق فحسب؟ ومتى عرفت لماذا تكتب، استطعت أن تحدّد أين تستعين بالذكاء الاصطناعي وأين تؤدّي العمل بنفسك. فأحيانًا يكون المطلوب هو السرعة، وأحيانًا أخرى أن تجالس فكرة وترى إلى أين تقودك، ولكلٍّ منهما مكانه.
كيف تبدأ عادة الكتابة اليومية؟
يستعيد فوروكس عبارة للروائي الأمريكي ستيفن كينغ في كتابه «عن الكتابة»، معناها أن أشدّ اللحظات رهبة هي تلك التي تسبق البدء مباشرة، وأن الأمور بعدها لا تتّجه إلا إلى الأفضل. ويرى فيها أفضل نصيحة في الكتابة حتى اليوم: ابدأ. وهي فكرة تلتقي مع ما يعرفه كثيرون منّا عن العجز عن البدء بما نريده فعلًا.
ثم يقترح خمس خطوات ساعدته على الحفاظ على هذه العادة:
- واصل القراءة والتعلّم، فهي المادة التي تتغذّى منها الكتابة.
- اخفض سقف التوقّعات: التزم بكتابة مقدّمة، أو فقرة واحدة، أو عشر دقائق فقط. فالهدف المتواضع يزيل ضغط إنتاج شيء عظيم، وكثيرًا ما تواصل الكتابة بمجرّد أن تبدأ.
- اجعل الكتابة جزءًا من روتينك: اختر وقتًا ومكانًا تعود إليهما. ولا يُشترط أن يكون ذلك مثاليًا، فالمواظبة أهمّ من التطبيق أو لوحة المفاتيح أو الدفتر أو التجهيزات التي تستعملها.
- أبعد المشتّتات لوقت قصير: لا تحتاج إلى ثلاث ساعات من الصمت؛ عشرون دقيقة من التركيز قد تكفي لتتبع فكرة قبل أن ينصرف انتباهك إلى مكان آخر، ولعلّ قلب الهاتف على وجهه أبسط خطوة في هذا الاتجاه.
- استعمل الذكاء الاصطناعي عن قصد: حدّد نوع المساعدة التي تريدها، سواء كانت طرح الأسئلة أو تنظيم الملاحظات أو البحث أو التحرير أو تحسين الوضوح. أو افتح صفحة بيضاء وأنجز كل شيء بنفسك ذلك اليوم. لا قاعدة ثابتة.
ولست مضطرًا إلى نشر أي شيء مما تكتب؛ فالعادة في حدّ ذاتها نافعة، ودفتر يوميات خاص قد يغيّر طريقة تفكيرك بالقدر نفسه الذي يغيّرها به مقال منشور.
لماذا يعود إليها اليوم؟
الجواب عند فوروكس بسيط: لأنه يشعر بحال أفضل عندما يكتب. فالكتابة تمنحه وضوحًا وانضباطًا وطاقة، وتساعده على فهم ما يفكّر فيه، وتتيح له أن يصنع شيئًا قد ينفع غيره. أما الذكاء الاصطناعي فيجعل العملية أسهل وأسرع وأيسر منالًا، وهو يرحّب بذلك، لكنه لا يريد للراحة أن تُنسيه لماذا بدأ الكتابة أصلًا.
وربما كان في هذه العودة ما يتجاوز الإنتاجية: فالجلوس اليومي أمام الصفحة، ولو لعشر دقائق، لحظة إنصات للذات في يوم مزدحم بالأصوات، ومساحة صغيرة يرتّب فيها المرء أفكاره ومشاعره بالكلمات قبل أن يرتّب بها شيئًا آخر.
اقرأ أيضًا في شبكتنا
المصدر : https://sakina.articlophile.net/blog/i/98553783/ak...










