حين يسعى السياسيون إلى صياغة مواقفهم أو تبرير خياراتهم، نادراً ما تنبع الحجج من مكاتبهم مباشرةً؛ إذ تقف في الخلفية منظومة من المؤسسات التي باتت تُعرف بـ"مراكز الأفكار"، وقد رصد الباحث السياسي مارك باتار، الصادر عمله عن سلسلة "ماذا أعرف؟" الفرنسية العريقة في فبراير 2025، أبعاد هذا العالم في كتابه الموسوم بـ"Think Tanks"، مُقترِحاً تعريفاً جديداً لها يتجاوز الترجمات المعتادة.
لا يرتضي باتار تسمية "مجموعات تفكير" أو "مختبرات أفكار" لوصف هذه المؤسسات، معتبراً إياها قاصرةً عن استيعاب طبيعتها الحقيقية. فهو يُقدّم ترجمته الخاصة: "معاهد الهندسة السياسية"، وهو توصيف دقيق يعكس الطابع البراغماتي لعملها؛ إذ تنصبّ جهودها على ابتكار حلول ملموسة للإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية، بدلاً من الانغماس في جدل فكري مجرد أو بحث أكاديمي مطوّل. وهذا ما يميّزها في نظره عن الجامعات التي تشتغل بمنهجية صارمة على المدى البعيد، وعن الأحزاب التي تعتني بتنظيم الفاعلية الانتخابية أكثر من اهتمامها بالحجج المُعمَّقة.
على الصعيد التاريخي، يستعيد باتار الجدل المعتاد حول الأصول الأنغلوساكسونية لهذه المراكز، غير أنه يُصرّ على النسب المزدوج؛ فالتقليد الفرنسي لـ"الجمعيات العلمية" في القرن الثامن عشر و"نوادي الروح" التي كانت تضم المثقفين والسياسيين، ثم نوادي الستينيات، تشكّل في نظره سلسلة محلية لا ينبغي تجاهلها وراء انبهار مفرط بالنموذج الأمريكي. بيد أن الفارق في الحجم والتأثير يظل فجّاً: يُحصي الباحث الأمريكي جيمس مكغان ما يزيد على 12,000 مركز أفكار عالمياً في العقد الثالث من هذا القرن، في حين لا تحصي فرنسا سوى نحو مئة مؤسسة بميزانيات متواضعة لا تتجاوز المليون يورو للكبار منها، مقارنةً بعشرات الملايين لمراكز أمريكية كـ"هيريتاج" و"بروكينغز" و"راند".
هذا الضعف البنيوي لا يحول دون تمدّد نفوذ هذه المراكز داخل الحقل السياسي الفرنسي. فقد كشفت دراسات متعددة أن الأحزاب السياسية الفرنسية باتت تستلزم تحليلات مراكز الأفكار المقرّبة منها لتحويلها إلى عناصر خطاب، بعد أن تخلّت عن مكاتب الدراسات الداخلية بدواعي الاقتصاد في النفقات. ويستخلص باتار من هذا الواقع منطق تقسيم عمل سياسي جديد: للمراكز التحليل والتوصية، وللأحزاب التعبئة والتنظيم الانتخابي. أما الصحفيون، فقد أصبحوا بدورهم في علاقة تبادلية مع هذه المراكز: يجدون فيها مصدراً للتحليل جاهز وموفِّراً للوقت، فيما تحصل المراكز على منابر لتعزيز حضورها.
لكن هذا النفوذ المتنامي يطرح أسئلة جوهرية حول الحوكمة والشرعية. فمن الناحية القانونية، ظل مفهوم "think tank" يفتقر إلى تعريف تشريعي في فرنسا حتى أكتوبر 2024، حين أصدر مجلس الدولة الفرنسي قراراً يُوضح أن مراكز الأفكار لا تُعدّ، من حيث المبدأ، ممثلي مصالح بالمعنى القانوني، مستنداً إلى قانون سابان 2 الصادر عام 2016. وفي غياب إطار رقابي صريح، لجأ بعض هذه المراكز طوعاً إلى اعتماد ميثاق أخلاقي يحدّ من الوزن النسبي لكل ممول في الميزانية الإجمالية. غير أن الباحث يُشير إلى أن نظيراتها الفرنسية تظل بعيدة عن معدلات الشفافية التي يُلزم بها قانون تمثيل المصالح في الفضاء الأوروبي، لا سيما أن أغلب مراكز الأفكار الفرنسية لا تُدرج في سجلات الشفافية الخاصة بالضغط.
ويمضي باتار، الذي بدأ مسيرته أستاذاً للفلسفة، إلى مستوى أعمق من النقد البنيوي؛ إذ يرى أن ما يجري في الواقع ليس مجرد تنويع في مصادر الخبرة، بل هو نقل تدريجي لصنع قرار جوهري من الفضاء العام المنتخب إلى مؤسسات خاصة ومهنية لم ينتخبها أحد. وهو يستحضر بهذا الصدد تقليداً فرنسياً متجذراً منذ قانون لو شابلييه عام 1791، الذي حظر الشركات الوسيطة خشية أن تعرقل مسار الإرادة العامة. ويُلخّص هذا التوتر القائم بين قيمة التعددية الفكرية التي تُوفّرها مراكز الأفكار من جهة، وغموض شرعيتها الديمقراطية من جهة أخرى، باستعارة من الكاردينال دو ريتز: "لا يخرج المرء من الغموض إلا على حسابه"، مستعيراً إياها عنواناً لتساؤل ختامي: هل "المصلحة العامة" التي تتذرع بها هذه المراكز حقيقة راسخة، أم مجرد خيال مُبدع؟
لكنّ المفارقة التي يُنهي بها باتار تشخيصه هي ما يمنح موضوعه راهنيّةً حادة: فمراكز الأفكار، في آن واحد، تُعيد اختراع الديمقراطية التداولية وتُهددها؛ وهو ما يجعلها ظاهرةً لا يمكن تجاهلها في أي قراءة جدية لتحولات الفاعلية السياسية في أوروبا اليوم.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96913283/m...

نمو الطلب الأوروبي على مهارات استخدام الذكاء الاصطناعي
