يرى الفيلسوف محمد عامر مزيان أن المكانة التي احتلها العقل الغربي بوصفه مرجعا كونيا للفكر ليست منفصلة عن تاريخ الاستشراق وإعادة قراءة النصوص الدينية خلال عصر الأنوار. وفي حوار أجرته معه صحيفة لوموند، ونشرته في 20 أكتوبر 2026، يعرض أطروحة كتابه «التضحية بالسماء: تاريخ آخر للعقل»، متتبعا دور الدراسات الاستشراقية والنقد التوراتي في تشكيل تصور أوروبي لأصول الحداثة وموقع الحضارات الأخرى منها.
ويواصل مزيان، الأستاذ المساعد للعلوم الإنسانية في جامعة براون بالولايات المتحدة، بهذا الكتاب الصادر عن دار سوي في 18 سبتمبر 2026، مسارا بدأه مع كتاب «إمبراطوريات تحت الأرض» سنة 2021، ثم «على تخوم العوالم» سنة 2023. وبعد بحث الصلات بين العلمنة والتاريخ البيئي والعرقي للحداثة، ونقد المركزية الأوروبية في العلوم الاجتماعية، يتناول هذه المرة الأسس التي جعلت مجموعة محددة من المؤلفات الفلسفية مرجعية للفكر الإنساني بأسره.
ولا يقصد مزيان بمساءلة العقل إصدار حكم عليه، بل إعادة وضع مرجعياته في سياقها التاريخي. فالمتن الفلسفي المعتمد، بحسب قراءته، يتركز في فرنسا وألمانيا وإنجلترا واليونان القديمة، ويمنح بعض الفلاسفة سلطة تحد من إمكان مناقشتهم. ويستدل على انتقائيته بالفاصل الممتد نحو تسعة عشر قرنا بين أرسطو وديكارت، وبإلحاق اليونان القديمة بأوروبا بأثر رجعي، رغم انتماء فلاسفتها إلى فضاء ثقافي وفكري أوسع.
ويذهب إلى أن هذا الانتقاء لا تفسره المركزية الأوروبية وحدها، بل يرتبط أيضا بإقصاء أنماط التفكير القائمة على التعالي الإلهي، بعدما جرى ربطها بالشرق. ومن هنا يستمد عنوان كتابه معناه، إذ يحيل إلى استبعاد تصورات تجعل الإله متعاليا على العالم، وإلى الفصل بين الفلسفة واللاهوت. ويقرأ مزيان كتاب «نقد العقل المحض» لإيمانويل كانط، الصادر سنة 1781، ضمن هذه الخلفية، معتبرا أن حصر المعرفة العلمية في التجربة الحسية يستدعي فحص مقدماته اللاهوتية.
وفي تتبعه لهذه المقدمات، يمنح الاستشراق الألماني والنقد التوراتي موقعا مركزيا. ويشير إلى مؤلَّف «الشريعة الموسوية»، الذي وضعه يوهان دافيد ميخائيليس في ستة مجلدات ابتداء من 1770، بوصفه محطة في دراسة النصوص المقدسة تاريخيا وبلغاتها الأصلية. ووفق مزيان، أتاح التعامل مع الكتاب المقدس باعتباره تعبيرا عن حياة شعوب الشرق الأدنى القديم مقارنة الحضارات وترتيبها، ثم بناء سردية تمنح المسيحية وحدها القدرة على إنتاج العالم الحديث بفضل العقل والنزعة الكونية.
وبهذا المعنى، يعد الاستشراق، في تصوره، معرفة بالماضي البعيد قبل أن يكون معرفة بالمناطق البعيدة جغرافيا. ويعتبر أن دوره في صياغة رواية للأصول لم يحظ بما يكفي من الاهتمام، حتى لدى ميشيل فوكو وإدوارد سعيد. كما يميز بين الاستعمارية والإمبراطورية، مقترحا تتبع تراكم المعرفة والسلطة في أوروبا المسيحية منذ الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر، بدلا من حصر بدايته في وصول كريستوفر كولومبوس إلى أمريكا سنة 1492.
ويستعرض مزيان انتقال تصنيفات لغوية إلى تصورات عرقية، انطلاقا من مصطلحي «السامي» و«السامية» اللذين وضعهما أوغست لودفيغ فون شلوتسر سنة 1771، وصولا إلى كريستيان فون بونزن وإرنست رينان. ويربط هذا المسار بتصورات نسبت إلى اليهودية والإسلام خضوع الإنسان لإله مطلق القدرة، في مقابل تقديم المسيحية دينا إنسانيا. ويرى أن هذه المقابلة أسهمت في ترسيخ صورة التعصب المنسوبة إلى المسلمين خلال القرن التاسع عشر.
ويحتل هيغل موقعا حاسما في هذا البناء، بحسب مزيان، لأنه ثبّت تصورا يجعل الإصلاح البروتستانتي أساس العقلانية الحديثة، ولأنه أعاد التفكير في الإلهي داخل التاريخ الإنساني ومساره نحو الحرية. ويجد مزيان امتدادات لهذا التصور في أعمال ماكس فيبر، ثم في أطروحة مارسيل غوشيه عن علاقة المسيحية بالخروج من الدين.
وفي مقابل هذه المرجعية، يختتم مزيان كتابه بمناقشة جمال الدين الأفغاني والأمير عبد القادر، بوصفهما صاحبي استجابات فلسفية للاستشراق. ويستخلص من رسالة الأمير عبد القادر «ذكرى العاقل وتنبيه الغافل»، التي نُقلت إلى الفرنسية سنة 1858، مبدأ يربط قبول الحقيقة بمضمونها لا بمكانة قائلها. ومن هذا المنطلق، يقترح ممارسة للمعرفة لا تحول الأسماء الكبرى إلى حجج سلطة، وتفسح المجال لتعايش مسارات متعددة للعقل.
مقالات ذات صلة من شبكتنا:
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98470439/m...










