أطلقت عدة جماعات مسلحة، فجر 25 من أبريل، هجوما غير مسبوق على مالي. تحالفت فصائل جبهة تحرير أزواد مع مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الذراع الساحلية لتنظيم القاعدة بقيادة إياد أغ غالي. اقتحم مئات المسلحين مدنا عدة، بينها كاتي، معقل المجلس العسكري الذي يقوده أسيمي غويتا. استهدفت الهجمات شخصيات أمنية رفيعة المستوى، من بينها الجنرال ساديو كامارا، وزير الدفاع، الذي قُتل في عملية انتحارية بسيارة مفخخة. أعلنت جبهة تحرير أزواد سيطرتها على مدينة كيدال شمالي البلاد، مكرّسة بذلك تحولا كبيرا بإقرارها علنا بتحالفها مع جماعة نصرة الإسلام.
باماكو تصدم الجزائر
لم يتم بعد قياس تأثير هذه التطورات على حرب النفوذ الجارية بين الجزائر والمغرب في الساحل. لكن يقينا واحدا يظل قائما: رُصدت الأحداث باهتمام بالغ في العاصمتين. قبل اندلاع المعارك، بدا أن الزخم الإقليمي يميل بوضوح لصالح المغرب. في 10 من أبريل، وجهت باماكو ضربة دبلوماسية قاسية للجزائر بسحبها الاعتراف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية ودعمها مقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء. لم تكتف مالي بتأكيد انحيازها إلى الرباط، بل بعثت رسالة سياسية واضحة إلى الجزائر وصفها باه تراوري، الباحث في الساحل بمركز واثي الفكري، بأنها "نوع من الاستفزاز". بعد عشرة أيام، حولت الرباط المكسب السياسي إلى امتياز عملي بإعلان إلغاء الإذن الإلكتروني للسفر بالنسبة للماليين.
تكتيكان متباينان
تراكم القرار المالي عوامل كانت قد تفاقمت منذ العام الماضي. تدهورت علاقات باماكو بالجزائر بفعل اتهامات بالتدخل، وتوترات حول تحركات جماعات الطوارق، وتآكل الثقة. اعتبرت باماكو الجزائر مصدر عدم استقرار بدلا من عامل توازن، متهمة إياها بنقل تهديدات جهادية نشأت في أراضيها نحو الساحل. عجّل قرار 10 من أبريل المسافة الاستراتيجية بين باماكو والجزائر، ضمن توجه أوسع لحلف دول الساحل الذي يضم باماكو ونيامي وواغادوغو. رفضت الأنظمة العسكرية الثلاثة الأطر الدبلوماسية الموروثة، مفضلة شراكات نفعية خالية من التدخل. بينما تجد الجزائر صعوبة في التكيف مع هذه المنطق، يبدو المغرب متناغما تماما مع هذه اللغة السياسية الجديدة.
رهان الرباط على البراغماتية
يتقدم الرباط بمنهجية وصبر منظم. لا يقدم المغرب دروسا ولا يملي شروطا سياسية، بل يعرض ويصل ويدرب ويسهّل. ترسخ شبكاته في المنطقة عبر تطوير التبادلات الاقتصادية والبنى التحتية والتدريب وإجراءات محددة تمس الحياة اليومية. تتوزع شبكاته في مالي والنيجر ضمن القطاع المصرفي والاتصالات والأسمدة والبناء. وفرت مبادرة الوصول إلى الأطلسي، المطروحة منذ عام 2023، منفذا استراتيجيا لدول ساحلية محاصرة. في أبريل 2026، أبرمت نيامي والرباط سلسلة اتفاقات ترجمت هذا الطموح إلى مشاريع ملموسة.
يخاطب المغرب أيضا النخب الساحلية. منح باماكو مؤخرا 300 منحة جامعية، إضافة إلى تدريب إطارات مدنية وعسكرية وتعاون أمني هادئ. يُدرَّب ضباط في مؤسسات مغربية، بينما تدرس نخب مدنية مستقبلية في الجامعات والمعاهد العليا بالمملكة. يضاف إلى ذلك رافعة نفوذ ديني منظمة حول تدريب الأئمة، تدعمها عراقة الروابط بين الشبكات الصوفية. يندرج إلغاء إذن السفر للماليين ضمن هذا المنطق، بتيسير التنقلات وتسريع التبادلات وتكثيف الاتصالات الإنسانية.
تبون يحاول استعادة المبادرة
لا تبقى الجزائر ساكنة. منذ مطلع 2026، يحاول عبد المجيد تبون إعادة تفعيل نقاط نفوذه. بعد الأزمة المفتوحة مع دول حلف الساحل في 2025، بدأ الانفراج مع النيجر، تجسد في عودة السفراء وزيارة الجنرال عبد الرحمن تياني، رئيس الفترة الانتقالية النيجرية، إلى الجزائر. أعادت الجزائر طرح ملف خط أنابيب الغاز عبر الصحراء والتعاون النفطي مع نيامي. مع واغادوغو، أعادت الجزائر فتح قنوات الحوار، خُصصت زيارة وزارية لملف المحروقات والمناجم والكهرباء. لكن العرض الجزائري يبقى مرتبطا بمنطق جواري وأمني واستعادة النفوذ، يهدف إلى احتواء مخاطر قادمة من الجنوب بقدر ما يستهدف استعادة موطئ قدم في فضاء فقدت فيه الجزائر مصداقيتها.
صعود المغرب وتراجع الجزائر
في العمق، يكمن الفارق في الإيقاع وطبيعة العرض. يتقدم محمد السادس بالتراكم: كل مشروع وكل تدريب وكل إجراء إداري يضيف طبقة نفوذ. تسبق المنفعة السياسة، ثم تجعلها ممكنة. التحول المالي أوضح تجلٍ لذلك. أما عبد المجيد تبون فيحاول استعادة مكان في فضاء تغير منطقه. تطرح الجزائر مشاريع هي الأخرى، لكنها تفعل ذلك في لحظة تُنازَع فيها شرعيتها، حيث ينتظر شركاؤها غير إطار أمني أو عقائدي. كانت النتيجة، إلى حين اندلاع القتال، واضحة: رسخت الرباط موقعها في باماكو بينما كانت الجزائر تحاول استعادة نفوذها. اعتُبر قرار مالي في 10 من أبريل، الذي فُسِّر كضربة موجعة للجزائر، تأكيدا لهذا الانقلاب. فيما يواصل الجهاديون والجماعات المسلحة هجوما غير مسبوق، يبقى السؤال: ماذا عن مالي الغد؟
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96277428/m...

الأمم المتحدة ترى فرصة واقعية لحل نزاع الصحراء
