في أزقة ملاح فاس، حيث ما تزال الدور العتيقة وأماكن الذاكرة شاهدة على قرون من الحياة المشتركة، دُشّن يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، بأمر من الملك محمد السادس، متحف الثقافة اليهودية المغربية، وفق ما أوردته وكالة المغرب العربي للأنباء. ويقترح المتحف على زواره رحلة عبر أكثر من 2500 سنة من الحضور اليهودي بالمغرب، لا تقف عند عرض أدوات الطقوس الدينية، بل تتسع لتشمل الأبعاد الاجتماعية والفكرية والاقتصادية والفنية لهذه الثقافة، وما نسجته من صلات مع المسلمين في تشكيل مجتمع مغربي متعدد الروافد.
وحضر حفل التدشين وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، ورئيس مؤسسة التراث الثقافي اليهودي المغربي سيرج بيرديغو، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف المهدي قطبي، ووالي جهة فاس-مكناس خالد آيت الطالب، إلى جانب عدد من السفراء والشخصيات.
حيّ عمره ستة قرون حاضنا للمتحف
ليس اختيار الملاح مكانا للمتحف تفصيلا عابرا؛ فهذا الحي الذي يعود تأسيسه إلى سنة 1438 يُعدّ من أقدم الأحياء اليهودية المنظمة بالمغرب، وإقامة المتحف فيه تتيح قراءة مقتنياته في سياقها العمراني والروحي، على مقربة من الأماكن التي احتضنت الحياة اليومية والدينية ليهود فاس.
وكان الملك قد أعطى انطلاقة أشغال البناء خلال زيارته لفاس في أبريل 2019، ضمن برنامج تأهيل المدينة العتيقة وتثمين موروثها. وشُيّد المتحف على عقار قدّمته الطائفة اليهودية بفاس، وتولّت أشغاله وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، التي أنهتها في مارس 2023. ويمتد على مساحة تفوق 1700 متر مربع، منها نحو 1200 متر مربع للعرض، في بناء يحتفي بالصنعة المغربية من زليج وجبس منقوش وخشب ملون، حول باحة استقبال تتوسطها نافورة من الرخام.
مسار على طابقين: من التاريخ إلى دورة الحياة
يتوزع العرض الدائم على مستويين، وينتظم حول محاور من بينها «المغرب، أرض اللقاء»، والتسلسل الزمني للأحداث، ومؤسسات الطائفة، وأعلامها، ومراحل الحياة، والأعياد، والصناعة التقليدية. ففي الطابق الأرضي يستعرض شريط زمني أكثر من 2500 سنة من التاريخ، بدءا بأقدم الشواهد على الحضور اليهودي، مرورا بتأسيس الملاح ووصول اليهود المطرودين من الأندلس سنة 1492، وصولا إلى العصر الحديث. كما يعرّف المسار بمؤسسات الحياة الجماعية كالكنيس والمدرسة العبرية والمحكمة الحاخامية، وبالشخصيات الدينية والفكرية التي حفظت المعرفة ونقلتها.
أما الطابق العلوي فيرافق الزائر في مراحل الحياة من الولادة إلى الوفاة: كراسٍ مخصصة لطقس الختان، وأزياء الأعراس، وحلي، ومخطوطات، وأغراض دينية تكشف تنوع التقاليد اليهودية المغربية من منطقة إلى أخرى. وتحظى أعياد التقويم العبري بحيز واسع، بما يرتبط بها من تقاليد أسرية وموسيقى وممارسات دينية ومهارات تناقلتها الأجيال.
ويُفرد المتحف قسما للحرف اليهودية المغربية، ولا سيما صياغة الحلي، من خلال إعادة تشكيل ورشة صائغ، ومجموعات من الحلي الفضية، وأزياء تقليدية من مختلف المناطق، وآلات موسيقية. وإلى جانب حفظ الشواهد، يعتمد المتحف وسائط سمعية بصرية ورقمية وفضاءات للأنشطة التربوية والورشات، موجّهة خصوصا إلى الناشئة وتلاميذ المدارس، بهدف تحويل الذاكرة إلى أداة للمعرفة وفهم أعمق لجذور التنوع الثقافي بالمغرب.
رسائل التعايش في زمن مضطرب
رأى أحمد التوفيق في كلمته أن تدشين المتحف «يجسد تشبث المغرب بقيم التعايش واحترام القيم المشتركة، حتى في فترات عدم اليقين»، مبرزا أن المبادرة، المتجذرة في التاريخ والمتطلعة إلى المستقبل، تسهم في تعزيز التفاهم بين الطوائف وإبراز تنوع الثقافة اليهودية المغربية، خاصة في تجلياتها اللغوية، انسجاما مع المرجعية الروحية للمملكة.
من جهته، وصف سيرج بيرديغو، الذي أسهمت مؤسسته في تصور المشروع، المتحف بأنه فضاء للمعرفة ونقل الذاكرة والحوار، معتبرا أن «التجربة المغربية تشكل مصدر إلهام في عالم يواجه تحديات تختبر قدرة المجتمعات على التعايش»، وأن معرفة الآخر واحترام الاختلاف والاعتراف بالموروث المشترك روافع لبناء مجتمع قائم على السلام والحوار.
أما المهدي قطبي فوصف المتحف بأنه «أنشودة للسلام والأخوة والتعايش والعيش المشترك»، مؤكدا أن «فاس تبعث، في هذه الأوقات العصيبة، برسالة قوية إلى العالم». ونبّه إلى أن المتحف لا يبعد سوى نحو مائة متر عن متحف البطحاء للفنون الإسلامية، الذي فتح أبوابه سنة 2025 بعد ترميم القصر، وهو تجاور يرسم حوارا طبيعيا بين مكوّنين من مكونات الهوية المغربية التي تشكّلت عبر القرون من تعدد روافدها وتفاعلها، وهي الصورة التي ترصدها أيضا وثائق الأرشيف الملكي عن أربعة قرون من التعايش الديني.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98357751/musee-cultu...










