المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

مبابي في مرمى الغضب الصيني: مزحة عن ماو تكلّفه عقوده الإعلانية


الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 à 21:17 |




وجد النجم الفرنسي كيليان مبابي نفسه، يوم الثلاثاء 27 أكتوبر 2026، في قلب عاصفة غير مسبوقة في الصين، بعد انتشار مقطع فيديو على الإنترنت يبدو فيه وهو يمزح بشأن ماو تسي تونغ، مؤسس جمهورية الصين الشعبية. وسرعان ما تحوّل الغضب الرقمي إلى خسائر ملموسة: عقود إعلانية تُفسخ، وحساب يُجمَّد، وتعليق رسمي من بكين، قبل أن يخرج مهاجم ريال مدريد عن صمته ليعلن، وفق ما أوردته إذاعة فرنسا الدولية، أنه «آسف بصدق».

ماذا قال مبابي؟

يظهر اللاعب في المقطع، المصوَّر في كواليس برنامج «ذا بريدج» الحواري الذي يقدّمه زميله في ريال مدريد والمنتخب الفرنسي أوريليان تشواميني، وهو يتحدث أثناء جلسة التجميل عن الصور الساخرة (الميمات) التي يتداولها رواد مواقع التواصل عنه، فيقول إن أطرفها صورة رُكِّب فيها وجهه على وجه رجل وصفه، على حد ظنه، بأنه «دكتاتور صيني»، مضيفاً أنه يتبادلها مع أصدقائه. ولم يذكر مبابي اسم ماو صراحة، غير أن المقطع المونتَج أظهر صوراً للزعيم الصيني الراحل استُبدلت ملامحه فيها بملامح اللاعب، وهي واحدة من تركيبات كثيرة تقرن وجه قائد المنتخب الفرنسي بشخصيات تاريخية ذات طابع سلطوي، في إحالة ساخرة إلى نفوذه داخل غرف الملابس، ولا يد له في صنعها.

ويعود تصوير المقطع، بحسب إذاعة فرنسا الدولية، إلى شهر مارس الماضي، في حين رجّحت قناة الجزيرة أنه صُوِّر في أبريل. وقد عاد إلى الواجهة يوم الاثنين 26 أكتوبر، يوم توزيع جائزة الكرة الذهبية في لندن، بعدما رصده موقع «دونغ تشيو دي» الصيني المتخصص في كرة القدم، الذي كتب أن تصريحات اللاعب قد تجرح الصين وشعبها ولذلك امتنع عن ترجمتها. ولم تتمكن خدمة التحقق الرقمي في وكالة الصحافة الفرنسية في البداية من تأكيد صحة الفيديو.



الرعاة ينسحبون والمنصات تغلق الأبواب

في يوم واحد، أعلنت ثلاث شركات صينية كانت توظّف اسم النجم وصورته، هي مجموعة «دونغ بينغ» للمشروبات، عبر علامتها لمشروبات الطاقة «بوشويلا»، و«منغنيو» عملاق منتجات الألبان و«ميلك غراوند» لصناعة الأجبان، إنهاء تعاونها معه بأثر فوري، في بيانات متطابقة الصياغة تقريباً تتحدث عن «عدم تسامح مطلق» مع كل قول أو فعل يمسّ المشاعر الوطنية، بحسب ما نقلته صحيفة «لوماتان» السويسرية عن وكالة الصحافة الفرنسية. وتصدّر خبر إنهاء «دونغ بينغ» تعاونها مع مبابي قائمة المواضيع الأكثر تداولاً على منصة «ويبو» بنحو 430 مليون مشاهدة، فيما بات اللاعب ممنوعاً من النشر على منصة «شياوهونغشو» (ريد نوت) بدعوى «مخالفة قواعد المجتمع»، وهو الذي يتابعه فيها 1.1 مليون مستخدم، إلى جانب مليون متابع على «ويبو».

وفي اليوم نفسه، أوقف التلفزيون الرسمي الصيني CCTV، إلى إشعار آخر، بثّ مباريات ريال مدريد والدوري الإسباني، وسحب الإعلانات التي يظهر فيها اللاعب، وفق ما أورده موقع «ذا بيبر» الحكومي وأكدته وكالة الأنباء الإسبانية «إفي». وكتبت صحيفة «غلوبال تايمز» الرسمية أن رسالة المستهلكين الصينيين واضحة: الاحترام ليس خياراً، ولا يمكن لأحد أن يجني الأرباح من الصين وهو يسيء إليها.

بكين تدخل على الخط

لم يبقَ الجدل في حدود الشركات والجمهور، إذ علّق الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون، خلال مؤتمره الصحفي الدوري، بأن أي قول أو فعل يجرح مشاعر الشعب الصيني يلقى بطبيعة الحال رفضاً مشتركاً من المجتمع الصيني بأسره. وسارعت رابطة الدوري الإسباني بدورها إلى إبداء أسفها العميق للإساءة التي سببتها تصريحات اللاعب لدى المشجعين الصينيين، كما قدّم رئيسها خافيير تيباس اعتذاراً عبر منصة «إكس»، مؤكداً أن الرابطة لن تسمح بأن يُلحق «تصرف فردي» الضرر بأكثر من عشرين نادياً وبملايين المشجعين الصينيين، وأن فرقها تعمل مباشرة مع الشركاء الصينيين لتجاوز الأزمة.

اعتذار بثلاث لغات

أمام اتساع رقعة الغضب، نشر مبابي بياناً على حساباته في مواقع التواصل وصف فيه تعليقه بأنه «لم يكن موفقاً»، مقرّاً بأنه بات يدرك أن كلامه جرح كثيرين في الصين وفي المجتمعات الصينية حول العالم، ومعتذراً لكل من أزعجته كلماته. وقد نُشر البيان على منصة «إكس» بالإنجليزية والصينية والفرنسية، في محاولة واضحة لمخاطبة الجمهور الصيني مباشرة.


رسالة بكين إلى اقتصاد كرة القدم

تتجاوز تبعات الأزمة شخص اللاعب لتطال ناديه ورعاته. فمبابي يجني الجزء الأكبر من عائداته الإعلانية من شراكاته في أوروبا والولايات المتحدة، غير أن الخطر الحقيقي، بحسب تحليل نشرته إذاعة فرنسا الدولية، يكمن في توقف البث التلفزيوني. ويشرح فنسان شوديل، مؤسس «مرصد اقتصاد الرياضة»، أن ريال مدريد كان أول نادٍ يتخطى رقم معاملاته عتبة المليار يورو، وأن هذا الرقم يمر عبر عقود رعاية ضخمة ترتبط بمدى انتشار النادي وإشعاعه، في حين تمثل الصين سوقاً من 1.4 مليار نسمة. فما يهمّ الرعاة الذين يرتبطون بنادٍ كريال مدريد أو بلاعب كمبابي هو الوصول إلى الأسواق الدولية، وهذا الانكشاف الإعلامي هو ما بات مهدداً.

وتكشف الأرقام حجم الرهان: إذ حقق النادي الملكي 1.221 مليار يورو من عائدات الاستغلال في موسم 2025-2026، منها 539 مليون يورو من التسويق، وكان قد أعلن قبل سنوات امتلاكه 97 مليون مشجع في الصين، كما وقّعت رابطة الدوري الإسباني في أغسطس 2026 اتفاقاً مع «تشاينا موبايل ميغو» شريكاً رقمياً حصرياً في الصين القارية لأربعة مواسم، بحسب ما أورده موقع «فوت ميركاتو». ولا تتيح المعطيات المنشورة تحديد حصة السوق الصينية من هذه العائدات، ولا تقدير الخسارة الفعلية بدقة، إذ يتوقف ذلك على مدة المقاطعة وبنود عقود البث.

ويرى شوديل أن الرياضة كما صاغها الأوروبيون والأمريكيون في القرن العشرين باتت مضطرة إلى التعامل مع قوى صاعدة لا تشاركها دائماً الرؤية السياسية والثقافية نفسها، وأنها أصبحت مرتهنة للمال، ملاحظاً أن من يدفع هو من يقرر في الغالب، وأن من يقبل أموال الصين أو غيرها لا ينبغي أن يُفاجأ بمحاولتها التأثير في طريقة التفكير والعمل. ويرجّح التحليل أن تهدأ العلاقات بين اللاعب وناديه وبكين بعد اعتذاري مبابي وتيباس، لكن الصين تكون قد وجّهت، في كل الأحوال، تحذيراً إلى عالم الرياضة برمّته من عواقب انتقاد نظامها.


ماو.. رمز محصَّن في الذاكرة الرسمية

يكشف حجم ردّ الفعل حساسية صورة ماو في الصين؛ فالزعيم الذي أعلن قيام الجمهورية الشعبية سنة 1949 وتوفي سنة 1976 لا يزال يُقدَّم في الرواية الرسمية بطلاً ثورياً أعاد للبلاد استقلالها وكرامتها، رغم أن المؤرخين يربطون مرحلة حكمه بعشرات الملايين من الضحايا، كما ذكّرت تغطية وكالة الصحافة الفرنسية لذكرى وفاته الخمسين في سبتمبر الماضي.

ولا يُعدّ مبابي أول من يدفع ثمن الاقتراب من هذا الرمز؛ فقد سبق لبي فوجيان، أحد أشهر مقدمي البرامج في التلفزيون الرسمي الصيني، أن أُوقف عن العمل واضطر إلى الاعتذار علناً بعد تسريب فيديو ينتقد فيه ماو خلال سهرة خاصة. كما خسر نجوم رياضيون عالميون رعاتهم الصينيين في السابق بسبب تصريحات تخص تايوان أو هونغ كونغ أو التبت.

وتأتي هذه الأزمة في توقيت صعب للاعب، غداة خسارته جائزة الكرة الذهبية 2026 لصالح المهاجم الإنجليزي هاري كين، وفي سوق يحظى فيها بشعبية واسعة، إذ تتابع الجماهير الصينية نجوم الكرة العالمية بشغف كبير، رغم تواضع نتائج منتخبها الذي لم يشارك في كأس العالم سوى مرة واحدة سنة 2002.


مقالات ذات صلة من شبكتنا:




المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/98510885/m...



Rss
Twitter
Newsletter