في الذكرى الخامسة والسبعين لليوم الوطني للصلاة في الولايات المتحدة، اختار رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون أن يقدّم المناسبة بوصفها محطة رمزية تتجاوز الطابع البروتوكولي. حين قال إن هذا اليوم «يؤكد كل عام على شيء حيوي ويذهب مباشرة إلى جوهر من نحن كأميركيين: لقد كنا دائماً أمة مصلية، وهو جزء من هويتنا». يأتي هذا التصور من شخصية سياسية جمهورية محافظة تشكّل المرجعية الدينية الإنجيلية أحد مكونات خطابها العام. إذ يُعرف جونسون، الذي انتُخب لأول مرة نائباً عن ولاية لويزيانا عام 2016 ثم أصبح الرئيس السادس والخمسين لمجلس النواب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدفاعه المتكرر عن دور القيم الدينية في الحياة العامة الأميركية واستحضاره لها في مداخلاته التشريعية والإعلامية.
اليوم الوطني للصلاة نفسه يعود في صيغته القانونية المعتمدة إلى بداية خمسينيات القرن العشرين. حين صادق الكونغرس الأميركي عام 1952 على قرار مشترك يطلب من الرئيس تخصيص يوم سنوي يدعو فيه مواطنيه إلى الصلاة من أجل البلاد، وقع الرئيس هاري ترومان آنذاك. ذلك في لحظة كانت الولايات المتحدة تعيد تعريف موقعها العالمي في خضم الحرب الباردة وتمنح مفردات الإيمان والحرية بعداً سياسياً موجهاً ضد المعسكر الشيوعي. غير أن ترسيخ هذا اليوم في الروزنامة الاتحادية بالشكل المعروف حالياً تم عام 1988. حين حدد الكونغرس «الخميس الأول من شهر مايو» موعداً ثابتاً لليوم الوطني للصلاة، ووقّع الرئيس رونالد ريغان على هذا التحديد. بما جعله مناسبة سنوية يتولى كل رئيس إصدار إعلان خاص بها يدعو فيه الأميركيين، باختلاف معتقداتهم، إلى التوجه إلى الله «في الصلاة والتأمل» فرادى وجماعات.
من هذه الزاوية التاريخية، لا تبدو إشارة جونسون إلى أن اليوم الوطني للصلاة نشأ في ذروة الحرب الباردة مجرد تفصيل زمني. بل إحالة على السياق الذي وُظّفت فيه الممارسات الدينية لتأكيد تمايز الهوية الأميركية عن خصومها الأيديولوجيين آنذاك. هذا السياق يتضمن إبراز علاقة خاصة بين الدولة والموروث الديني المسيحي، مع الحفاظ في النصوص على صيغة جامعة تسمح بإدماج أديان ومعتقدات أخرى تحت عباءة واحدة هي «الأمة المصلية». ورغم أن جذور الدعوات الرسمية للصلاة في الولايات المتحدة سبقت الحرب الباردة إلى القرن الثامن عشر، حين دعا الكونغرس القاري عام 1775 إلى يوم للصوم والصلاة خلال حرب الاستقلال، فإن تقنين المناسبة بصفتها «يوماً وطنياً» ثابتاً لم يأخذ شكله المتعارف عليه إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. هذا التقنين كان مدفوعاً بمبادرات قادها فاعلون دينيون وإنجيليون مثل بيلي غراهام وشخصيات سياسية حليفة لهم داخل الكونغرس.
في خطابه الأخير، يعيد رئيس مجلس النواب صياغة هذا الإرث السياسي‑الديني في قالب معاصر يستند إلى فكرة أن الصلاة عنصر أساسي في تعريف الذات الأميركية، وليست مجرد ممارسة شخصية أو طقس كنسي محدود. هذه القراءة تلتقي مع تيار واسع داخل الحزب الجمهوري يميل إلى إبراز البعد الروحي للأمة في مواجهة ما يراه نزعات علمانية متزايدة داخل المجتمع ومؤسسات الدولة، ما يمنح اليوم الوطني للصلاة وظيفة مزدوجة: فهو من جهة أداة للتعبير عن تديّن قطاع كبير من الناخبين، ومن جهة أخرى وسيلة لإعادة تعبئة القاعدة المحافظة حول رموزها التشريعية والتنفيذية كل عام.
في المقابل، يثير حضور الرموز الدينية في الخطاب السياسي الأميركي سجالاً مستمراً في أوساط المدافعين عن صرامة مبدأ الفصل بين الدين والدولة. هؤلاء المدافعين يتعاملون بحذر مع أي حديث عن «هوية مصلية» جامعة بوصفه مفهوماً قد لا يستوعب بالقدر نفسه المواطنون غير المتدينين أو المنتمين إلى تقاليد روحية بعيدة عن الأطر السائدة. إلا أن الإعلانات الرئاسية المتعاقبة الخاصة باليوم الوطني للصلاة تحرص عادة على استخدام لغة مرنة تؤكد على الحرية الدينية وتدعو إلى «التأمل» بقدر ما تدعو إلى الصلاة. هذا في محاولة للتوفيق بين الحساسية الدستورية الأميركية تجاه الحريات الفردية وبين الإرث التاريخي الذي منح هذه المناسبة بُعداً وطنياً يتجاوز خلفيتها الإنجيلية الأولى.
اليوم الوطني للصلاة، كما يقدمه مايك جونسون، يتحول إلى مرآة تعكس موقع الدين في الحياة العامة الأميركية بعد أكثر من سبعة عقود على تقنينه، بين من يراه ركناً من أركان الهوية الجمعية ومن ينظر إليه كفضاء رمزي يجب أن يبقى مفتوحاً على تعبيرات متعددة للإيمان أو اللاإيمان داخل المجتمع الأميركي المتنوع. وضمن هذه الجدلية يكتسب تأكيد رئيس مجلس النواب على أن الولايات المتحدة «أمة مصلية» بعداً يتجاوز الخطاب الاحتفالي، ليتداخل مع معارك أوسع حول تعريف المواطنة، وحدود المجال العام، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية في أكبر ديمقراطية غربية.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96459094/mike-johnso...

من الظلال: مجتبى خامنئي يدير استراتيجية إيران الحربية رغم غيابه عن الأنظار
