المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

ما الفكرة التي تسكن رأسك دون استئذان؟


الاربعاء 4 نوفمبر 2026 à 23:05 |




يقف كريم تحت الدُّش في شقته بحيّ المسيرة في مراكش، والساعة لم تبلغ السابعة بعد. أمامه يوم طويل: عرض مشروع اشتغل عليه أسابيع، وفكرة تصميم جديدة كان ينتظر أن «تختمر». لكن ذهنه، كلما تُرك يسرح، لا يذهب إلى المشروع. يذهب إلى قسط القرض الذي تأخّر، ثم إلى رسالة جافّة كتبها ابن عمه في مجموعة العائلة على واتساب، فيصوغ لها في سرّه ردًّا بعد ردّ. يخرج من الحمّام وقد «ربح» الجدال مرتين، ولم يتقدّم في مشروعه سطرًا واحدًا. لم يقرّر أن يفكّر في القرض ولا في ابن عمه؛ هما اللذان قرّرا.



السؤال

هل نملك شيئًا من أمر الفكرة التي تحتلّ أذهاننا عندما نكفّ عن توجيهها؟ وإذا كانت هذه الفكرة هي التي تحصد أثمن ما في انتباهنا، فهل يكون السؤال الحقيقي «فيمَ أفكّر؟»، أم «في أيّ وضع وضعتُ نفسي حتى صار هذا ما أفكّر فيه؟»


الفكرة: «الفكرة العليا» والتفكير الذي لا نتعمّده

طرح الكاتب والمبرمج بول غراهام، أحد مؤسسي حاضنة الشركات الناشئة «واي كومبينيتور»، هذا السؤال في مقالة قصيرة نشرها في يوليو 2010 بعنوان «الفكرة العليا في ذهنك». ينطلق من تجربة يعرفها كل من اشتغل على مسألة صعبة: نُجهد أنفسنا في حلّها فنعجز، ثم يلوح الحلّ فجأة ونحن منشغلون بشيء آخر. يسمّي غراهام هذا النمط «التفكير المحيط» (ambient thought)، أي التفكير الذي يجري في الخلفية دون أن نقصده، ويرى أنه ليس مفيدًا فحسب في حلّ المسائل العسيرة، بل ضروري لها. وليست الملاحظة جديدة تمامًا؛ فقد وصف عالم النفس البريطاني غراهام والاس سنة 1926، في كتابه «فن التفكير»، مرحلة سمّاها «الاحتضان» (incubation)، يواصل فيها الذهن الاشتغال على المسألة بعد أن نتركها جانبًا.

الجديد عند غراهام أن في ذهن كل منا، في أغلب الأوقات، فكرة واحدة «عليا» تنجرف إليها الأفكار كلما تُركت حرّة. وهذه الفكرة تستأثر بثمار التفكير المحيط كلها، فيما تُحرم منها بقية المسائل. ومن هنا الخطر: أن تصير الفكرة الخاطئة هي العليا. وقد اكتشف ذلك بنفسه في مرحلتي جمع التمويل، لشركته الأولى ثم لـ«واي كومبينيتور». لم تكن المشكلة في الساعات التي يقضيها مع المستثمرين، بل في أن جمع المال صار ما يفكّر فيه كل صباح تحت الدُّش، فلم يبقَ في ذهنه متّسع لغيره. ويلاحظ أن المال يميل بطبيعته إلى احتلال هذا الموقع، لأنه لا يأتي من تلقاء نفسه: لا تحصل عليه ما لم تجعله شغلك الشاغل.

وإلى جانب المال يحذّر من صنف ثانٍ: الخصومات والجدالات. ويشبّه الصنفين بسمكة «فرخ النيل»، المفترسة التي أُدخلت إلى بحيرة فيكتوريا فأزاحت كثيرًا من أنواعها الأصلية. فالخصومة تشدّ الذهن كما تشدّه الأفكار الشيّقة حقًّا، لكنها بلا مضمون. ويستشهد بإسحاق نيوتن، الذي نشر نظريته في الألوان سنة 1672 فانشغل سنوات بالردّ على منتقديه، حتى كتب في إحدى رسائله أن على المرء إمّا ألّا ينشر جديدًا، وإمّا أن يصير عبدًا للدفاع عنه. ويعلّق غراهام بأن العبء لم يكن في الصفحات القليلة التي كتبها نيوتن ردًّا على خصومه، بل في أن الجدال كان يعود كل مرة ليتصدّر ذهنًا يتوق إلى التفكير في غيره.

ومن هنا يصل إلى نتيجة طريفة: للصفح فائدة «أنانية». فمن يسيء إليك يؤذيك مرتين: مرة بالإساءة نفسها، ومرة بالوقت الذي تقضيه بعدها مفكّرًا فيها. وإذا تعلّمت أن تتجاوزها نجوت على الأقل من الأذى الثاني. أما الدرس العملي فهو أننا لا نتحكّم مباشرة في مسار أفكارنا، وإلا لما كانت «تسرح»، لكننا نتحكّم فيه على نحو غير مباشر، من خلال المواقف التي نسمح لأنفسنا بدخولها. ولمعرفة فكرتك العليا يقترح اختبارًا بسيطًا: خذ حمّامًا، ولاحظ إلى أين تعود أفكارك.


الصوت المخالف: ومن يملك ترف اختيار مواقفه؟

الاعتراض الأول يتعلّق بالامتياز. فنصيحة «احرص على ألّا يصير المال فكرتك العليا» تبدو معقولة على لسان مستثمر ناجح، لكنها تُسمع على نحو مختلف في بيت عامل مياوم أو أسرة تطاردها الأقساط. وقد درس الاقتصادي سنديل موليناثان وعالم النفس إلدار شافير، في كتابهما «الندرة» (Scarcity، 2013)، كيف تستولي الحاجة على الانتباه فيما يسمّيانه «التفكير النفقي»: يضيق مجال الرؤية حول ما ينقص، فيتراجع كل ما عداه. ليس من يعيش الضيق مسؤولًا عن أن يصير المال فكرته العليا؛ الضيق هو الذي يفرضها. وغراهام نفسه يقرّ بأن الطوارئ تطرد كل فكرة أخرى، لكنه يكتب من موقع من صارت الطوارئ في حياته استثناءً لا قاعدة.

والاعتراض الثاني أخلاقي: ليست كل خصومة جدالًا عقيمًا. فثمّة نزاعات يكون الانسحاب منها تخلّيًا عن حقّ أو عن مظلوم، وقد تصير «راحة البال» أحيانًا اسمًا مهذّبًا للتنازل الدائم. والاعتراض الثالث نفسي: ليست كل فكرة متكرّرة اختيارًا يمكن تصحيحه بتغيير الظروف. فالاجترار الذي يرافق القلق الشديد أو الحزن العميق شأن آخر، قد يحتاج إلى مرافقة مختصّ، لا إلى نصيحة فلسفية.


السياق العربي: «طرد الهمّ» وحراسة الخواطر

قبل غراهام بنحو تسعة قرون ونصف، كتب ابن حزم الأندلسي (384-456هـ) في رسالته «الأخلاق والسير في مداواة النفوس» أنه تأمّل ما يسعى إليه الناس على اختلاف أهوائهم، فلم يجد غاية يتّفقون عليها جميعًا إلا واحدة: طرد الهمّ. فالمال والجاه واللذّة والعلم، كلها في نظره وسائل يطلب بها الإنسان أن يزيح همًّا يثقل صدره. غير أن ابن حزم ينتهي إلى أن أغلب هذه الطرق تجلب بدورها همومًا جديدة؛ فالمال الذي نطلبه لنطرد به همّ الحاجة يصير هو نفسه همًّا، وهو قريب جدًّا مما وصفه غراهام. ويرى ابن حزم أن الطريق الوحيد السالم من هذا العيب هو العمل للآخرة.

وفي «إحياء علوم الدين»، يخصّص أبو حامد الغزالي (ت. 505هـ) كتاب «شرح عجائب القلب» للحديث عن الخواطر، أي ما يرد على القلب من أفكار وتصوّرات دون إرادة صاحبها، ويميّز بينها بحسب ما تدعو إليه. ولا يطالب الغزالي الإنسان بأن يمنع الخواطر من الورود، فذلك ليس في وسعه، بل بأن يحرس مداخلها ويعرف من أين تأتي. وهي فكرة تلتقي، من طريق مختلف تمامًا، مع «التحكّم غير المباشر» الذي يقترحه غراهام.

أما «الفائدة الأنانية» للصفح، فلها صدى في الثناء القرآني على ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 134)، مع فارق يستحقّ التأمّل: العفو هنا فضيلة تتّجه إلى الآخر وإلى الله، لا مجرّد تقنية لتوفير الانتباه. قد تلتقي الصيغتان في الأثر، لكنهما تفترقان في النيّة، وفي ما يبقى في النفس بعد الصفح.


ما الذي يبقى؟

ربما لا نستطيع أن نختار الفكرة التي تعود إليها أذهاننا كل صباح، لكننا نستطيع أن نلاحظها، وأن نسأل ما الذي أوصلها إلى هناك. ففي زمن الإشعارات والجدالات الرقمية التي لا تنتهي، وهو زمن تلتهم فيه الشاشة شعورنا بمرور الوقت، صار الانتباه أثمن ما نملك وأسهل ما نفرّط فيه. ويبقى سؤال لكل واحد منا: ما الفكرة التي عادت إليها أفكارك هذا الصباح؟ وهل هي الفكرة التي كنت تريدها هناك، أم أنها دخلت من باب تركته أنت مفتوحًا؟


للقراءة

  • بول غراهام، «The Top Idea in Your Mind» (يوليو 2010): النص الذي انطلق منه هذا المقال، بالإنجليزية.
  • ابن حزم الأندلسي، «الأخلاق والسير في مداواة النفوس»: النص الأصلي لفكرة «طرد الهمّ» غايةً مشتركة بين الناس.
  • أبو حامد الغزالي، «إحياء علوم الدين»، كتاب «شرح عجائب القلب»: التحليل الكلاسيكي للخواطر ومداخلها.
  • سنديل موليناثان وإلدار شافير، «Scarcity: Why Having Too Little Means So Much» (2013): دراسة تجريبية لأثر الضيق في الانتباه، وأساس الاعتراض الأول.

اقرأ أيضًا في فِكرة وشبكتنا




المصدر : https://fikra.articlophile.net/blog/i/98370465/al-...



Rss
Twitter
Newsletter