المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

ليبيا تشتعل من جديد: النفط، السيارات المفخخة، وسلطة بلا دولة


الاثنين 24 أغسطس 2026 à 14:51 |




تعرضت مصفاة الزاوية، الواقعة على بعد خمسين كيلومترًا غرب طرابلس وأكبر منشأة تكرير في البلاد، لضربات متكررة بطائرات مسيّرة الأسبوع الماضي، ما أدى إلى انهيار خزان وقود يحتوي نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، فضلًا عن استهداف مستودع للديزل. الهجوم لم يكن مجرد ضرر صناعي، بل ضربة مباشرة لاقتصاد غرب ليبيا وضغطًا على حكومة عبد الحميد الدبيبة، إذ يوفر التحكم بالمصفاة نفوذًا على التدفقات المالية والوظائف وتوزيع الوقود. وتقف خلف الاشتباكات فصيلتان موالِيتان نظريًا لحكومة طرابلس لكنهما متنافستان فعليًا، في مثال دقيق على واقع تعترف فيه المؤسسات بالميليشيات لعجزها عن نزع سلاحها.



وبينما كانت الزاوية تحترق، اغتيل في بنغازي فوزي المنصوري، رئيس الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي التابع لعائلة حفتر، إذ انفجرت عبوة زُرعت في سيارته أثناء عودته من الصلاة. لم يكن المنصوري مسؤولًا ثانويًا؛ فقد شارك في عملية الكرامة التي أطلقها خليفة حفتر عام 2014، وساهم في توسّع قوات برقة نحو فزان، وكان مقرّبًا من صدام حفتر، المرشح الأبرز لخلافة والده عسكريًا. غياب أي تبنٍّ للعملية يجعلها أكثر دلالة في ليبيا التي تتشابك فيها الولاءات، حيث يدفع الغموض كل طرف إلى الاشتباه بالآخرين. عسكريًا، يضعف الاغتيال محاولات التنسيق بين جيشي الشرق والغرب المدعومة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبريطانيا، فالمنصوري كان طرفًا في هذا الحوار رغم استمرار تبعية القوات لتسلسلات قيادة متعارضة.


جاءت الضربة الثالثة على الجبهة المالية، إذ قدّم محافظ المصرف المركزي، ناجي عيسى، استقالته احتجاجًا -بحسب مقربين منه- على غياب التعاون بين الفصائل في إدارة الإنفاق العام وتحويل عائدات النفط. قد تكون تبعات رحيله أخطر من الاشتباكات المسلحة نفسها، فالمصرف المركزي يُعدّ من المؤسسات القليلة القادرة على الربط ماليًا بين شطري ليبيا، إذ تمر عبره إيرادات الصادرات الطاقوية والرواتب العامة ودعم الوقود وتمويل الإدارات المتنافسة. وكانت الموازنة الموحدة التي أُقرّت في عهده قد فتحت مسارًا نحو إعادة اللحمة الوطنية، غير أن الشفافية التي تفرضها موازنة مشتركة تكشف الإيرادات والنفقات وتقلّص هامش التوزيع غير الشفاف للأموال، وهو ما قد يُنظر إليه كتهديد في نظام تصنع فيه التجزئة الريع. توقف هذه الآلية المالية قد يعني تأخر رواتب وصعوبة تمويل الواردات وضغطًا جديدًا على الدينار، فيما يعمّق تدمير مستودعات الوقود اعتماد البلاد على المنتجات المكرَّرة المستوردة رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا.


فكرة توحيد الجيش الليبي جذابة سياسيًا لكنها معقّدة استراتيجيًا؛ فالأمر لا يقتصر على جمع بعض الجنرالات، بل يتطلب تحديد من يعيّن القيادة العليا، ومن يتحكم بالقواعد والرواتب والسلاح الثقيل. حفتر لا يريد تسليم الجهاز العسكري الذي بناه في برقة لحكومة وطنية قد تقلّص نفوذ عائلته، بينما لا ترغب ميليشيات الغرب في الانصهار داخل جيش قد يهيمن عليه رجال الشرق. النتيجة المرجّحة هي توحيد شكلي تستمر خلفه قيادات مستقلة فعليًا: جيش وطني بالاسم واتحاد ميليشيات في الواقع، ورسالة اغتيال المنصوري واضحة: من يعمل على إعادة توحيد الأجهزة قد يصبح عقبة أمام المستفيدين من الانقسام.


لا تخص أزمة الزاوية ليبيا وحدها؛ فتراجع قدرة التكرير المحلية قد يغذّي شحًا في الوقود وارتفاع الأسعار والتهريب، وإذا امتدت الاشتباكات إلى المحطات وحقول النفط فقد تتأثر الصادرات نحو أوروبا أيضًا. بالنسبة لإيطاليا، يبقى استقرار ليبيا مرتبطًا بالطاقة والهجرة وأمن المتوسط الأوسط، غير أن روما وأوروبا ما زالتا تتعاملان لا مع دولة واحدة، بل مع فسيفساء من الحكومات والعائلات العسكرية والسلطات المحلية والجماعات المسلحة. وتساهم القوى الخارجية بدورها في إدامة هذا الجمود: تركيا تحافظ على حضورها في الغرب، وروسيا ومصر والإمارات تحتفظ بعلاقات وثيقة مع برقة، بينما تسعى قطر والولايات المتحدة ودول أوروبية إلى مساحات نفوذ مختلفة، ولا يريد أي طرف الانهيار الكامل للبلاد، لكن قلة منها مستعدة للتخلي عن أدوات تحول دون إعادة التوحيد الحقيقية.


حريق المصفاة، واغتيال المنصوري، واستقالة محافظ المصرف المركزي ليست ثلاثة أحداث منفصلة، بل ضربات أصابت الطاقة والأمن والمال معًا، أي الركائز الثلاث التي يُفترض أن تُبنى عليها الدولة الليبية. تبقى ليبيا أسيرة توازن مختل: فصائل أضعف من أن تسيطر على كامل البلاد، لكنها أقوى من أن تسمح لطرف آخر بحكمها؛ النفط يموّل المؤسسات، والمؤسسات تموّل الجماعات المسلحة، والجماعات المسلحة تحمي المؤسسات أو تبتزّها. وقد لا يكون هذا بالضرورة بداية حرب شاملة جديدة، بل ربما شيء أكثر مكرًا: عودة إلى "الطبيعي" الليبي، حيث يدوم السلام ما دام لا أحد يحاول جديًا بناء الدولة. للاطلاع على التحليل الكامل لجوزيبي غالياونو، الصادر في "لو ديبلومات"، يمكن مراجعة المقال الأصلي.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...



Rss
Twitter
Newsletter