تتسع في الولايات المتحدة معارضة شعبية عابرة للانتماءات السياسية لمشروعات مراكز البيانات، في ظاهرة يرى الكاتب ديفيد والاس-ويلز أنها تجاوزت الاعتراضات البيئية المحلية التقليدية لتتحول إلى رفض أوسع لطريقة إدارة التحول المرتبط بالذكاء الاصطناعي. ويستند المقال إلى استطلاعات حديثة تشير إلى أن ثلاثة أرباع الأميركيين يعارضون إنشاء مركز بيانات في مجتمعاتهم، مع تقارب ملحوظ بين الجمهوريين والديمقراطيين والمستقلين.
وبحسب نتائج نقلها مقال عن استطلاع أجرته Heatmap Pro بالتعاون مع Embold Research، يعارض نحو ثلثي الجمهوريين بناء هذه المنشآت محليا، فيما تصل النسبة إلى قرابة 80 في المائة لدى المستقلين و83 في المائة لدى الديمقراطيين. ويشير الكاتب إلى أن الاعتراض لا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية أو جغرافية بعينها، بل يظهر في البيئات الحضرية والريفية، وبين مختلف مستويات الدخل.
ويربط المقال هذا التحول بتراجع سريع في التأييد خلال عام واحد، إذ كان الرأي العام منقسما تقريبا بشأن المشروعات المحلية في أغسطس من العام السابق، قبل أن يتحرك صافي التأييد بمقدار 62 نقطة مئوية. وبلغت المعارضة هذا العام أكثر من 70 في المائة في كل مناطق البلاد، فيما أيد أكثر من نصف الأميركيين فرض تجميد وطني لمشروعات مراكز البيانات.
وتظهر آثار هذا المزاج في المجال السياسي والإداري. فقد تأجلت أو ألغيت، خلال الربع الأول من العام، مشروعات بقيمة 130 مليار دولار، وفق بيانات أوردها المقال. كما تبنت نحو 500 جهة محلية إجراءات حظر أو تعليق مؤقت، بينها 150 قرارا محليا خلال يوليو وحده. وفي ولاية نيويورك، فرضت السلطات في يوليو تعليقا على مستوى الولاية، بينما أوقف حاكم تكساس غريغ أبوت عمليا إصدار تراخيص جديدة إلى حين إجراء تدقيق شامل في المنشآت الراغبة بالاتصال بشبكة الكهرباء.
ويورد الكاتب أن حاكم بنسلفانيا جوش شابيرو، الذي كان من المدافعين عن استقطاب استثمارات مراكز البيانات، أصدر بدوره توجيهات أكثر تقييدا للمشروعات الجديدة. ويستخلص من ذلك أن القضية لم تعد حكرا على مناطق أو تيارات سياسية محددة، بل باتت عاملا انتخابيا محتملا في ولايات ومجتمعات متباينة.
وتتوزع دوافع الرفض بين استهلاك الكهرباء والمياه، واحتمالات التلوث والضجيج، وضخامة المنشآت، والقلق من ارتفاع فواتير الطاقة، إضافة إلى الريبة من الذكاء الاصطناعي نفسه. ويرى المقال أن هذه العناصر لا ينبغي التعامل معها كاعتراضات منفصلة، لأنها تتداخل في ائتلاف اجتماعي واسع يضم ناشطين بيئيين وسكانا محليين ومتشككين في شركات التكنولوجيا ومنتقدين لنماذج التنمية القائمة على التوسع السريع.
ويلاحظ والاس-ويلز أن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد اعتراض محلي على المشروعات غير مرغوب فيه قرب المساكن لا يكفي. فاستطلاعات سابقة أظهرت تأييدا أعلى لبناء مزارع شمسية ورياح ومصانع تقليدية ومصانع رقائق إلكترونية ومحطات نووية، بل ولمراكز توزيع تابعة لشركة أمازون. كما أن محطات الفحم، رغم آثارها البيئية، تبدو أقل رفضا من مراكز البيانات في بعض القياسات التي أشار إليها المقال.
ولا ينكر الكاتب وجود منافع مالية محلية في بعض الحالات. ففي مقاطعة لودون بولاية فرجينيا، من المتوقع أن تمثل الضرائب الناتجة من أكثر من 250 مشروعا نحو 40 في المائة من إيرادات المقاطعة في العام المقبل، وقد ساعدت سابقا على خفض معدل الضريبة على السكان بنحو 30 في المائة. وفي مدينة كوينسي بولاية واشنطن، ساهمت عشرات المنشآت في تمويل مدرسة ثانوية ومركز مائي ومرافق رياضية وتحديث خدمات عامة. كما استفادت مدارس في ريتشلاند بولاية لويزيانا من إيرادات مرتبطة بمشروع تابع لشركة ميتا.
لكن المقال يشدد على أن هذه الأمثلة لا تلغي أسئلة الإعفاءات الضريبية التي تمنح لجذب المستثمرين، ولا المخاوف المتعلقة بالبصمة الكربونية والوظائف الدائمة وآثار الإنشاء والبنية التحتية. ويشير إلى أن بعض الولايات تخسر مليارات الدولارات سنويا عند احتساب الحوافز الضريبية المرتبطة بهذه المشروعات.
ويخلص الكاتب إلى أن جوهر النزاع يتجاوز المباني الضخمة أو شبكات الطاقة، ويتصل بمن يملك حق تقرير شكل المستقبل. فبينما تستمر أعمال البناء مع وجود أكثر من 1500 مشروع قيد التنفيذ في البلاد، تبدو المعارضة تعبيرا عن رفض فرض نموذج اقتصادي وتقني من أعلى، من دون ضمانات كافية للمجتمعات المحلية أو مشاركة شفافة في القرارات.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...










