تتناول دراسة للباحثة نادية الزاهر، من مختبر ليمباكت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة القاضي عياض بمراكش، والمنشورة في مجلة بروميثيوس للدراسات والأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية، الكيفية التي يتحول بها التراث الصوفي إلى مادة سردية قابلة للتداول في الرواية المعاصرة. وتقارن الدراسة بين ثلاثة أعمال صدرت بين عامي 2012 و2019، هي «روح العالم» لفريديريك لونوار، و«مسارات صوفي: حكايات ابن عربي» لصادق يالسزوتشانلار، و«عيون منصور» لرياض جيرود.
وتنطلق الباحثة من تصور التراث بوصفه عملية انتقائية يعيد فيها الحاضر التعرف إلى عناصر من الماضي ومنحها قيمة جديدة وتنظيمها من أجل نقلها إلى متلقين جدد. وبهذا المعنى، لا تقدم الرواية التصوف في صورته التعليمية أو الطرقية الكاملة، بل تنتقي منه الشخصيات والرموز والوقائع، ثم تعيد تركيبها وفق مقتضيات الحبكة واللغة وتجربة القراءة.
وترى الدراسة أن انتقال الميراث الصوفي إلى الأدب يغيّر شروط تلقيه من دون أن يلغي بالضرورة امتداده. فالتصوف يستند تاريخيا إلى التلقي الشفهي، وصحبة الشيخ، وسلاسل الانتساب الروحي، وذاكرة الأولياء، وسرديات التدرج في المعرفة. غير أن الرواية تمنح هذا الميراث وسيطا آخر، إذ تحوله إلى صور وشخصيات وأحداث تجعل القارئ المعاصر قادرا على الاقتراب منه، وإن كان ذلك على حساب جزء من سياقه التاريخي والعقدي أو الإشاري.
وتحدد الباحثة ثلاثة أنماط رئيسية لهذه العملية. ففي «مسارات صوفي»، يستعيد يالسزوتشانلار لغة ابن عربي الرمزية، ولا سيما دلالات النقطة والحرف والمرآة، مع إبقاء المعنى مفتوحا على التأويل. ولا يشرح النص منظومة الحروف الصوفية شرحا عقائديا مباشرا، بل يجعل الحرف والنقطة عناصر فاعلة داخل التجربة السردية، بما يحافظ على قدر من الغموض المرتبط بالتلقي الروحي والتدرج في الفهم.
أما «روح العالم» لفريديريك لونوار، فتضع الصوت الصوفي ضمن مجموعة من الحكماء المنتمين إلى تقاليد روحية متعددة. ويجسد الشيخ يوسف في الحكاية جانبا من الحكمة الصوفية من خلال القلب والرؤيا والإشارة والحكاية الرمزية. وتخلص الدراسة إلى أن هذا الاختيار يسهم في توسيع دائرة الوصول إلى المرجع الصوفي، لكنه قد يخفف خصوصيته الإسلامية وتفاصيله التاريخية والعقدية، عبر إدماجه في تصور أوسع لحكمة إنسانية مشتركة.
وفي «عيون منصور»، يعالج رياض جيرود التصوف من زاوية الذاكرة المهددة بالمحو. ويقيم الرواية صلة بين مصير منصور وشخصية الحلاج، مستثمرا دلالات المحاكمة والعنف ومصادرة الكلام. وتبرز العينان بوصفهما أثرا يبقى حين تتعرض الشخصية للصمت أو الإلغاء، فتغدو النظرة حاملا لذاكرة لا تستطيع السلطة القضائية أو العنف الجسدي القضاء عليها. وبهذا، لا يركز النص على إعادة بناء العقيدة الحلاجية، بل يستعيد أثرها بوصفه ذاكرة روحية تواجه النسيان.
وتوضح الدراسة أن الروايات الثلاث لا تحافظ على الميراث الصوفي عبر التكرار الحرفي، بل عبر تحويله إلى تجربة أدبية. فالسرد يمنح الرموز زمنا جديدا، ويجعلها تدفع الشخصيات إلى الرحيل أو التعلم أو الشهادة، كما يعيد توظيفها داخل لغة خاصة بكل عمل. لذلك تتحول الحروف إلى كائنات سردية في عمل يالسزوتشانلار، وتصبح الصور الروحية أدوات مبسطة للتأمل في رواية لونوار، فيما تعمل رموز النور والعين والدائرة في رواية جيرود على كشف هشاشة خطاب الإدانة وتثبيت ذاكرة المضطهد.
وتخلص نادية الزاهر إلى أن القيمة التراثية للمادة الصوفية في الرواية لا تنشأ من مجرد الإحالة إلى ابن عربي أو الحلاج أو الرومي، بل من قدرة النص على تقديم هذه العناصر بوصفها آثارا ذات معنى للحاضر. فالرواية تتيح انتقال التجربة إلى قارئ لا ينتمي بالضرورة إلى فضاء التلقين الصوفي، لكنها في الوقت نفسه تستبدل سلطة الشيخ والسند الروحي بسلطة المشهد الأدبي وتماسك السرد وفاعلية اللغة.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97948376/...










