تروي ليديا، 31 عامًا: "في العمل، عندما لا يحقق فريقي والهدف المنشود، أشعر أن الخطأ كله يقع على عاتقي. وفي البيت، إذا افتقرت الفاكهة على مائدة العشاء إلى الطعم، فأنا كذلك المسؤولة. منذ الصغر وأنا أُغرق في الاعتذار، وأعتبر ذلك من باب اللياقة، رغم أنني أعترف بأن حرجي غالبًا ما يكون مبالغًا فيه."
ويوضح عالم النفس إيف ألكسندر تالمان أن الرسائل التربوية التي نتلقّاها في الطفولة، ومن بينها قواعد اللياقة، تُشكّل معتقداتنا وسلوكياتنا. فحين تُستوعب هذه الرسائل بشكل سليم، تساعد على إدراك المسؤولية والتحلّي بالنضج.
أما حين لا يتعلّم الطفل من والديه كيف يتعايش مع أخطائه، أو حين يشعر بالدونية أو حتى بالإهانة بسبب هذه القواعد، فقد يترسّخ لديه، بحسب المحلل النفسي باسكال نوفو، ما يشبه "عقدة الذنب" التي تفسّر هذا "الحرص" المفرط على تقديم الاعتذار.
ويكشف تحليل نفسي حديث ثلاث آليات كامنة وراء هذا السلوك.
الآلية الأولى: نقص عاطفي يحتاج إلى ملء
يوضح باسكال نوفو، المحلل النفسي، أن طلب الصفح من الآخر هو، قبل كل شيء، "محاولة للحفاظ على حبه رغم ارتكاب خطأ ما"، ذلك أن إحدى مخاوفنا البدائية تظل الخوف من الرفض من قِبل من نحبّهم.
لكن تقديم الاعتذار دون سبب حقيقي هو في المقابل علامة على هشاشة نرجسية: فحين لا يمنح الشخص نفسه قيمة تُذكر، يصبح الآخر، من خلال ما يبديه من حب وتقدير، هو المكلَّف بسدّ هذا النقص العاطفي.
وتعود جذور هذه الهشاشة، بحسب المحلل النفسي، إلى السنوات الأولى من العمر: فالأطفال الذين أُفرط في الاهتمام بهم وأُبقوا في علاقة تبعية تجاه والديهم، أو أولئك الذين عانوا من شعور بالهجران، يجعلون تقديرهم لذواتهم رهينًا بما يحظون به من تقدير من الآخرين، ولم يتعلّموا كيف يحبّون أنفسهم دون الحاجة إلى موافقة خارجية.
الآلية الثانية: "أنا الأعلى" الطاغية
يرى التحليل النفسي أن الشعور بالذنب ينشأ من الصراع الداخلي بين "الأنا الأعلى" (ما يجب فعله أو قوله أو الشعور به) و"الهو" (رغباتنا ودوافعنا، التي قد تتعارض أحيانًا مع الأخلاق والصورة التي رسمناها لأنفسنا).
ويشير باسكال نوفو إلى أن "الاعتذار عن أفعال لم تُرتكب هو في الحقيقة اعتذار عن أفعال كان يمكن أن نرتكبها"، أي أن جزءًا منا، وهو "الهو"، كان يرغب لا شعوريًا في ارتكابها، لكن جزءًا آخر، وهو "الأنا الأعلى"، منعنا من ذلك.
عندئذٍ يأتي الاعتذار ليكبت هذا الدافع ويكبح جماحه. والشخص البالغ الذي يعيش تحت وطأة "أنا أعلى" طاغية، بسبب تربية صارمة أو تشدد شخصي مفرط، سيعتذر عن مجرد رغبته، الواعية أو اللاواعية، في ارتكاب خطأ أو إلحاق أذى، ذلك أن النفس البشرية لا تفرّق دائمًا بين الحلم والواقع.
الآلية الثالثة: شعور خفي بالقدرة المطلقة
لكنّ الاعتذار عن خطأ لم يُرتكب فعليًا يحمل أيضًا فوائد ثانوية. يقول إيف ألكسندر تالمان: "إنها طريقة لاستعادة زمام التحكم، لإعادة كتابة القصة والاحتفاظ فيها بالدور الأول. وهذا "يُطمئننا" بشأن تأثيرنا على الآخرين، ويرفع لا شعوريًا من تقديرنا لذواتنا."
وبحسب عالم النفس، يتعلق الأمر بشكل من أشكال الارتداد إلى مرحلة القدرة المطلقة الطفولية، حين كان الرضيع يعتقد أنه يملك القدرة على خلق كل ما يرغب فيه من أشياء. وهكذا يتيح تنصيب الذات مسؤولةً عن كل شيء، ولو بشكل وهمي وعابر، تعويض ضعف القيمة التي يمنحها الشخص لنفسه.
ماذا نفعل إن كنا نعتذر باستمرار؟ ينصح إيف ألكسندر تالمان بالتوقف عن وضع الذات مكان الآخر باستمرار:
"قبل تقديم اعتذارك لشخص ما، تأكّد أنك ألحقت به ضررًا فعليًا، بأن تسأله مثلًا إن كنت قد جرحته. فبدلًا من استباق ردود أفعاله ومشاعره وأفكاره، الأمر يتعلق بإعادة إرادته الحرة إليه. وبهذا تعيد بناء التواصل، وتخرج من ألعاب السيطرة وردود الفعل الطفولية، وتتحمّل مسؤوليتك بشكل أكثر نضجًا."
أما باسكال نوفو، فينصح بمنع النفس من صياغة اعتذارات عند أدنى إزعاج، ويقترح تجربة ذلك عمليًا وملاحظة ما يترتب عليه:
"هل تفقد حقًا حب الآخر أو تقديره أو احترامه؟ على الأرجح لن يكون الأمر بالسوء الذي كنت تخشاه."
ويضيف أنه إذا كان الشعور بالذنب مرهقًا أو مؤلمًا أكثر من اللازم، فقد يكون من المفيد طلب المساعدة، إذ يمكن لمرافقة نفسية متخصصة أن تساهم في توضيح جذور شعور بالذنب لا شعوري.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/97976183/l...










