المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

لماذا نشعر بأننا بلا طاقة؟ ثلاثة أنواع من التعب وطرق عملية لاستعادة النشاط


الاربعاء 28 أكتوبر 2026 à 11:47 |




الساعة الثالثة بعد الظهر. أنهيت اجتماعات متتالية، ورددت على عشرات الرسائل، وما زال نصف المهام ينتظرك. القهوة الثالثة لم تعد تنفع، والذهن يتحرّك كأنه يخوض في وحل. يعرف كثيرون هذا المشهد، ويتساءلون: لماذا أشعر بأنني بلا طاقة، مع أنني أنام وآكل وأتحرّك كما يُنصح؟

في مقال مطوّل نشره موقع «لايفهاك»، يقترح مؤسّسه ومديره التنفيذي ليون هو جوابًا يتجاوز النصائح المعتادة: الإرهاق المزمن ليس فشلًا شخصيًا ولا نقصًا في الإرادة، بل نتيجة متوقّعة لطريقة عمل الحياة الحديثة التي تستنزف أنواعًا مختلفة من الطاقة في وقت واحد. ومع أن المقال موجّه أساسًا إلى أصحاب الإيقاع المهني المكثّف، فإن كثيرًا مما فيه ينطبق على أي شخص مثقل بالمسؤوليات، في العمل أو في البيت.

ثلاثة أنواع من التعب

حين نقول «لا طاقة لي»، فنحن في الغالب نعيش مزيجًا من ثلاثة أنواع من التعب، ومعرفة أيّها يغلب علينا هي الخطوة الأولى نحو العلاج:

  • التعب الجسدي: ثقل في العضلات وآلام وصعوبة في المهام البدنية البسيطة. والمفارقة أنه لدى من يعملون جالسين لا يأتي غالبًا من الجهد البدني، بل من قلّة الحركة وكثرة الجلوس واضطراب النوم.
  • التعب الذهني: ضباب يحلّ بعد ساعات من التركيز واتخاذ القرارات ومعالجة المعلومات، فتعيد قراءة الفقرة نفسها مرات، وتصير القرارات البسيطة مرهقة. ويستند الكاتب إلى أبحاث تميّز بين التراجع الفعلي القابل للقياس في الأداء، والإحساس الذاتي بالتعب؛ فقد تبقى قادرًا على الإنجاز، لكن كل خطوة تبدو أثقل بكثير.
  • التعب العاطفي: استنزاف نفسي من إدارة الضغوط والعلاقات الصعبة والحفاظ على المظهر المهني طوال اليوم. قد تبقى لديك طاقة للمهام، لكن لا طاقة لك بالناس، وتتثاقل من لقاءات كانت تُبهجك.

والمشكلة أن هذه الأنواع كثيرًا ما تجتمع. ويضرب الكاتب مثلًا بمديرة تمارس الرياضة وتأكل جيدًا لكنها منهَكة دائمًا، لأنها عالجت التعب الجسدي وأهملت الاستنزاف الذهني والعاطفي لإدارة مؤسسة كبيرة. ولهذا لا تكفي نصيحة «نَم أكثر» أو «تمرّن أكثر» وحدها.

مستنزفات خفيّة

إلى جانب الأسباب الواضحة، يشير الكاتب إلى مستنزفات تعمل في الخلفية دون أن ننتبه لها:

  • كثرة القرارات: كل اختيار صغير، من الملابس إلى ترتيب الرسائل، يستهلك شيئًا من الموارد الذهنية. والدماغ يستهلك وحده نحو خُمس طاقة الجسم مع أنه لا يمثّل سوى نحو 2% من وزنه.
  • التنقّل المستمر بين المهام: الانتقال من البريد إلى تقرير إلى محادثة إلى اجتماع يجبر الدماغ على إعادة ضبط انتباهه في كل مرة. وتُنسب إلى الباحثة غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا تقديرات تشير إلى أن استعادة التركيز الكامل بعد المقاطعة قد تستغرق نحو ثلث ساعة.
  • العبء غير المرئي: الجهد العاطفي في التعامل مع الشخصيات الصعبة، والحمل الذهني لمتابعة مشاريع عدّة في الذاكرة، والتنسيق الاجتماعي. كل ذلك لا يظهر في جدول المواعيد، لكنه يستهلكنا.
  • فيض المعلومات والإشعارات: كل تنبيه يقطع الانتباه ويُبقي الدماغ في حالة يقظة منخفضة الدرجة لا يرتاح فيها ولا يركّز. وقد تكون مقاومة ذلك بفعل بسيط، كما يتأمّل مقال على منصة فِكرة عن وضع الهاتف على وجهه فوق الطاولة.

ويستعين الكاتب بنظرية «حفظ الموارد» لعالم النفس ستيفن هوبفول، التي ترى أن الطاقة مورد محدود يحتاج إلى إدارة واعية، وأن الاستنزاف المتواصل دون تعويض يُدخل المرء في دوّامة: كلما نقصت موارده، ضعفت قدرته على حماية ما تبقّى منها.



القدرة والفرصة والدافع

لماذا تفشل أغلب نصائح «استعادة الطاقة»؟ يجيب الكاتب بنموذج من علم تغيير السلوك طوّرته الباحثة سوزان ميتشي وزملاؤها في كلية لندن الجامعية، يُعرف اختصارًا بـ«كوم-بي» (COM-B). ويقوم على أن أي تغيير مستدام يحتاج إلى ثلاثة عناصر مجتمعة:

  • القدرة: أن تملك المعرفة والإمكانات الجسدية والنفسية، كنوم جيد وتغذية مناسبة ومهارات لتنظيم الانتباه.
  • الفرصة: أن تساعدك بيئتك، من جدول يومك ومكان عملك إلى من يحيطون بك.
  • الدافع: أن تكون لك أسباب حقيقية تجعل إدارة طاقتك أولوية، لا مجرّد واجب آخر.

فإذا غاب عنصر واحد تعطّل الكلّ. قد تعرف ما يجب فعله وترغب فيه بشدّة، لكن جدولًا مكتظًّا بالمواعيد المتلاحقة سيُفشل كل شيء. ومن هنا يرى الكاتب أن «حاول أكثر» ليست حلًّا؛ فالإرادة وحدها دافع بلا قدرة ولا فرصة.

نصائح عملية

للنوم: جودة النوم لا تقلّ أهمية عن عدد ساعاته. ويمرّ النوم بدورات يدوم كل منها نحو 90 دقيقة في المتوسط، والاستيقاظ في نهاية دورة يترك المرء أكثر انتعاشًا من الاستيقاظ في منتصفها.

للحركة: لا تقتصر الحركة على التمارين الشاقّة. فالمشي الخفيف والتمدّد لدقائق كل ساعة ونصف تقريبًا ينشّطان الدورة الدموية ويخفّفان التوتر دون أن يستنزفا الجسم. أما التمارين المكثّفة فالأفضل أن تكون في أوقات النشاط لا في أوقات الإنهاك.

للانتباه: تقترح «نظرية استعادة الانتباه» للزوجين راشيل وستيفن كابلان أن التركيز الموجّه يستنزف الانتباه، بينما تجدّده أنشطة «الافتتان الهادئ» التي تشدّ الانتباه دون جهد، كالتنزّه في الطبيعة أو تأمّل الأشجار أو الإصغاء إلى موسيقى هادئة. وفي المقابل، فإن تصفّح وسائل التواصل لا يريح الذهن، بل يستنزفه بطريقة أخرى. ومن المفيد أيضًا تفريغ الذاكرة العاملة بتدوين المهام والأفكار، وتجميع المهام المتشابهة، كقراءة البريد في أوقات محدّدة بدل متابعته طوال اليوم. ولمن يشعر بأنه غارق في المحتوى، تقدّم منصة فِكرة تأمّلًا في فن الاستغناء عن أغلب ما نقرأ.

لتنظيم اليوم: لكل منّا ساعات ذروة يكون فيها ذهنه في أفضل حالاته، صباحًا لدى البعض ومساءً لدى آخرين. ويقترح الكاتب حماية هذه الساعات للأعمال الأهم، وترك المهام الروتينية لأوقات الفتور، وجمع الاجتماعات في فترات محدّدة. ويُضاف إلى ذلك الانتباه إلى أثر الناس في طاقتنا: فبعض اللقاءات تشحننا وبعضها يستنزفنا، والحكمة في ترتيبها بما يناسب مخزوننا.

للإنعاش السريع: من الحيل التي يذكرها الكاتب «التنهيدة الفسيولوجية»: شهيقان متتاليان من الأنف ثم زفير طويل بطيء من الفم. وقد وجدت دراسة نُشرت سنة 2023 أن تمارين التنفّس القصيرة المنظّمة، ومنها هذه التقنية، حسّنت المزاج وخفّضت الاستثارة الفسيولوجية لدى المشاركين. كما يذكر القيلولة القصيرة بين عشرين وثلاثين دقيقة، وقد أظهرت أبحاث أجرتها وكالة «ناسا» على الطيارين أن قيلولة قصيرة تحسّن اليقظة والأداء تحسينًا ملحوظًا، بينما قد تترك القيلولة الأطول شعورًا بالخمول عند الاستيقاظ.

لختام اليوم: يصف الكاتب، وهو أب لطفلين، كيف صار يمشي عشر دقائق حول الحيّ بين إغلاق حاسوبه ولقاء أسرته، ليفصل بين وضع العمل ووضع الأبوّة. ومثل هذه «الطقوس الانتقالية» البسيطة، كتغيير الملابس أو المشي أو إغلاق الحاسوب تمامًا، تمنع حمل إرهاق العمل إلى البيت.

بين ما تسنده الأبحاث وما لا تسنده

تجدر الإشارة إلى أن المقال الأصلي يورد أرقامًا متداولة على نطاق واسع لكنها ضعيفة السند، كالقول إن الإنسان يتخذ نحو 35 ألف قرار يوميًا، أو نسبًا مئوية دقيقة لتأثير الإضاءة أو تفريغ الأفكار دون مصدر واضح، فلم نعتمدها هنا. كما أن فكرة «إرهاق القرار» نفسها، وإن كانت مفيدة تصوّريًا، موضع نقاش في علم النفس بعد أن تعثّرت محاولات تكرار بعض التجارب التي قامت عليها. والأصل أن يُنظر إلى هذه النصائح بوصفها تجارب يجرّبها كل شخص ويقيس أثرها عليه، لا وصفات مضمونة.

متى يكون التعب رسالة طبية؟

إذا استمرّ الإرهاق أسابيع رغم تحسين النوم وتنظيم اليوم، أو رافقه فقدان وزن غير مبرّر، أو ضيق في التنفّس، أو شخير شديد وانقطاع في النفس أثناء النوم، أو حزن مستمرّ وفقدان الاهتمام بالأشياء، فإن استشارة الطبيب ضرورية. فالتعب المزمن قد يكون علامة على فقر الدم أو اضطراب الغدّة الدرقية أو انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم أو الاكتئاب، وكلها حالات قابلة للتشخيص والعلاج، ولا تحلّها حيل إدارة الطاقة وحدها.

والخلاصة أن الراحة ليست نقيض الإنجاز، بل شرط لاستمراره. والهدف ليس قدرة خارقة على العمل بلا توقّف، بل طاقة تكفي لأن نكون حاضرين لما يهمّنا ومن يهمّنا.

اقرأ أيضًا في شبكتنا




المصدر : https://sakina.articlophile.net/blog/i/98509249/li...



Rss
Twitter
Newsletter