من الصعب على باحث قضى سنوات في تفكيك تواطؤ الأديان مع السلطة أن يعترف بالامتنان تجاه رأس مؤسسة كنسية عريقة. ومع ذلك، فإن ما صدر عن البابا ليو الرابع عشر في مواجهة التهديدات الأمريكية بتدمير «الحضارة الإيرانية» جعل هذا الامتنان، بالنسبة إلى كاثوليكي غير ممارس ومشكك مثلي، أمراً لا مفر منه. لقد بدا أن هذا الرجل، الهادئ بطبعه، يستحضر في لحظة واحدة سبعة عشر قرناً من اللاهوت الأخلاقي ليضع حداً لاستسهال الحرب، رافضاً أن تتحول المسيحية إلى زخرفة لغوية لمشروع قوة عارٍ من أي مضمون أخلاقي.
هذا الانطباع لم يأت من فراغ. فقد أمضيت مرحلة بحثية طويلة في مقارنة مسارين تبدوان للوهلة الأولى متباعدين تماماً: مسار البابا يوحنا بولس الثاني ومسار آية الله الخميني، انطلاقاً من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وما أطلقته من أسئلة حول علاقة الدين بالسياسة والشرعية الأخلاقية للسلطة. كان همّي آنذاك فهم الكيفية التي يعيد بها القادة الدينيون تعريف حدود التدخل الروحي في الشأن العام، وكيف تُستخدم المرجعية الدينية لتبرير المقاومة أو لإضفاء الشرعية على النظام القائم. لذلك كان طبيعياً أن أتابع باهتمام خاص المواجهة المفتوحة بين ليو الرابع عشر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعادت طرح السؤال القديم نفسه: متى يصبح الصمت الديني تواطؤاً، ومتى تتحول الكلمة اللاهوتية إلى فعل سياسي بالمعنى الأعمق؟
حين أعلن ليو الرابع عشر، بلغة مباشرة، أنه لا يخشى إدارة ترامب ولا يخشى إعلان الإنجيل، وأن يسوع «ملك السلام» ولا يمكن تجنيده لتبرير الحرب، كان واضحاً أنه لا يكتفي ببيان شعاراتي ضد العنف. فقد جاءت عباراته، ولا سيما رفضه لفكرة أن المسيح يصغي إلى صلوات من يشنّون حرباً هجومية، بمثابة رد صريح على استخدام أسماء الله والمسيح في الخطاب العسكري الأمريكي الذي حاول إضفاء مسحة دينية على مشروع حرب اختيارية ضد إيران. هنا ظهرت المفارقة: رئيس ينشر صورة لنفسه في هيئة المسيح، محاطاً بالرايات والطائرات المقاتلة، مستخدماً أدوات الذكاء الاصطناعي لتشييد أسطورة شبه لاهوتية حول ذاته، في مقابل بابا يذكّر، بهدوء، بأن المسيح لا ينتمي إلى أي جيش، وأن استحضاره في دعاية الحرب يمثّل انحرافاً لاهوتياً قبل أن يكون خطأ سياسياً.
ما يجعل هذه المواقف أكثر ثقلاً هو أنها لا تنطلق من حساسية شخصية عابرة، بل من تقليد متصل الجذور في اللاهوت المسيحي. منذ أسقف ميلانو، أمبروزيوس، الذي حرم الإمبراطور ثيودوسيوس من الإفخارستيا بعد مذبحة تسالونيكي في القرن الرابع، برزت فكرة أن للكنيسة سلطة معنوية تخوّلها محاسبة الحكام الذين يقتلون المدنيين، خصوصاً عندما يقدّمون أنفسهم أبناء طائعين للكنيسة. لاحقاً، طوّر أوغسطينوس ثم توما الأكويني ما صار يُعرف بنظرية «الحرب العادلة»، التي تعتبر الحرب شراً في ذاته، لكنها تقبل بها بشروط صارمة: سلطة شرعية، وسبب عادل، ونيّة مستقيمة لا تحركها الرغبة في الانتقام أو التوسع، ثم لاحقاً شروط التناسبية، والملاذ الأخير، وإمكان تحقيق هدف واقعي. كل هذه المعايير وُضعت لضبط لجوء الحكام إلى العنف، لا لمنحهم رخصة أخلاقية مفتوحة، ولذلك يبدو التهديد بتدمير «حضارة كاملة» خروجاً صارخاً عن هذا الإطار ولا يمكن تبريره تحت أي صيغة من صيغ الحرب العادلة.
من هذه الزاوية، لا يظهر ليو الرابع عشر بوصفه «ثائراً» على تقاليد الكنيسة، بل كممثل صارم لأرثوذكسيتها الأخلاقية حين يربط أي نقاش حول الحرب بمسؤولية حماية الأبرياء وبمبدأ التناسب. إن إصراره على أن المسألة ليست قانونية فحسب بل أخلاقية قبل كل شيء يعيد الاعتبار إلى بعد غالباً ما همّشته الحسابات الجيوسياسية. فحين يذكّر بأن التقاليد الكاثوليكية حملت، طوال قرون، همّ تقييد الحرب لا منحها غطاءً مقدساً، يصبح كلامه أقرب إلى استدعاء لذاكرة كنسية ممتدة من ميلانو القديمة إلى ساحات أوكرانيا وغزة اليوم، حيث يكرّر الكرسي الرسولي حديثه عن «سلام عادل ودائم» وعن ضرورة وقف إطلاق النار لحماية المدنيين.
اللافت أيضاً أن وضوح هذه اللغة الأخلاقية لا يقتصر على الفاتيكان. في الأشهر الأخيرة، جاءت مواقف عديدة لقادة دينيين، من أساقفة أمريكيين إلى رجال دين محليين تحدّوا سياسات الهجرة والاحتجاز، لتؤكد أن الصوت الأكثر صراحة في تسمية العنف ورفضه يصدر أحياناً من داخل مؤسسات دينية كانت نفسها موضوع نقد شديد بسبب ملفات الإساءة والتمييز. غير أن ما يميّز ليو الرابع عشر هو أنه ليس شخصية صدامية بطبيعته؛ فالرجل الذي قدّمته تقارير متنوعة باعتباره هادئاً، حريصاً على جمع أطراف الكنيسة المنقسمة، وامتداداً لخط بابوي يسعى إلى بناء الجسور، يصبح أكثر تأثيراً حين يقرّر رفع النبرة، لأن المتلقي يعرف أنه لا يلجأ إلى المواجهة إلا اضطراراً، لا رغبة في الاستعراض أو تسجيل النقاط.
مع ذلك، لا يغيّر هذا من حقيقة أن تدخل القادة الدينيين في الشأن العام يثير دوماً اعتراضاً مكروراً: «ليتدخلوا في الدين ويتركوا السياسة لأهلها». لكن التاريخ الأمريكي الحديث نفسه يقدّم أمثلة معاكسة: من دعاة إلغاء العبودية الذين استندوا إلى النصوص المقدسة في مواجهة نظام الرق، إلى حركة الحقوق المدنية التي اتخذت من الكنائس السوداء فضاءً للتنظيم والخطاب. في الواقع، لم تنفصل الدينامية السياسية الأمريكية عن المرجعية الدينية، سواء في خطاب «القيم العائلية» أو في صعود قومية مسيحية تحاول تعريف الأمة على أساس هوية دينية حضارية. السؤال الحقيقي إذن لا يدور حول ما إذا كانت الأديان تتدخل في السياسة، بل حول أيّ تأويل ديني، وأي منظومة قيم، تُستدعى لتبرير أي مشروع سياسي.
في هذا السياق يبرز المثال الصارخ للسيناتور جي. دي. فانس، الكاثوليكي الذي امتدح في هنغاريا نموذج فيكتور أوربان، الحاكم الذي وصفه البرلمان الأوروبي بأنه يقود «نظاماً شبه استبدادي» نتيجة تقويضه لاستقلال القضاء وتضييقه على وسائل الإعلام، ثم عاد ليطالب البابا نفسه بأن يبتعد عن السياسة ويتفرغ لما يسميه «المسائل الأخلاقية». هنا تتجلى بوضوح ما يسميه بعض الباحثين «الشعبوية الحضارية»، حيث يتحول «المسيحية» إلى شعار ثقافي ورمزي يؤكد تفوق الغرب، بينما يُستبعد محتواها الأخلاقي الفعلي من الحساب. في هذه الرؤية، لا حاجة إلى بابا يذكّر بكرامة الضحايا؛ تكفي أعلام وطنية وخطاب عن «الحضارة المسيحية»، حتى لو استند إلى تحالفات وثيقة مع أنظمة تميل إلى تركيز السلطة وتهميش الرقابة.
أما ترامب نفسه، فقد ذهب أبعد في تحويل الرموز الدينية إلى مادة لصناعة الصورة الذاتية. صورته التي تولدت عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي في هيئة المسيح واضع اليد على المرضى، محاطاً برايات وأسلحة، جاءت امتداداً لمنطق دين مدني جديد يتمحور حول الزعيم أكثر مما يتمحور حول رسالة دينية محددة. اللافت أن جزءاً كبيراً من الرأي العام لم يتجاوب مع هذه المحاولة؛ فاستطلاع مركز «بيو» للأبحاث أظهر أن أغلبية واسعة من الأمريكيين لا تعتبر ترامب شخصاً متديناً، بما في ذلك داخل قاعدته الجمهورية والإنجيلية البيضاء، وترى أنه لا يدافع إلا بقدر محدود عن مصالح المؤمنين الذين يدّعي تمثيلهم. هذا التباين بين رمزية الصورة ووقائع التصور الشعبي يطرح سؤالاً إضافياً حول حدود استغلال المقدّس في المجال السياسي قبل أن يفقد تأثيره.
من جهة أخرى، تكشف المواجهة بين ترامب وليو الرابع عشر عن مفارقة في ميزان القوة. فالرئيس الأمريكي يملك أدوات ضغط هائلة تجاه رؤساء الدول والحكومات، من الرسوم الجمركية إلى إعادة النظر في التحالفات، وهو ما دفع كثيرين إلى تجنب تحدّيه علناً. غير أن هذه الأدوات تفقد فعاليتها أمام الفاتيكان، الذي لا يعتمد في شرعيته على دعم عسكري أو اعتراف انتخابي، بل على سلطة رمزية لا يمكن إقالتها بقرار رئاسي. لذلك يصعب على إدارة ترامب تحويل الخلاف مع البابا إلى معركة نفوذ تقليدية، فيتحوّل النزاع إلى مواجهة بين تصورين متعارضين للسلطة: سلطة تُبنى على استعراض الهيبة وحشد الرموز، وسلطة تُمارس عبر التذكير الهادئ بأن هناك حدوداً لا ينبغي لأي مشروع سياسي تجاوزها إذا أراد أن يظل ضمن أفق العدالة والرحمة.
العنصر الأخير الذي يزيد من قوة هذا الموقف، في نظري، هو أن ليو الرابع عشر أمريكي المولد، نشأ في شيكاغو وخبر المجتمع الأمريكي قبل أن ينخرط في الخدمة الرهبانية ثم يرتقي في المناصب الكنسية إلى أن انتُخب أول بابا من الولايات المتحدة، متخذاً اسم «ليو» في إشارة إلى ليو الثالث عشر وميراثه الاجتماعي. هذه الخلفية تجعل من الصعب اختزال انتقاداته في صورة رجل أجنبي «لا يفهم» تعقيدات السياسة الأمريكية. إنّه يتكلّم من داخل الثقافة التي نشأ فيها، ويختار أن يستخدم سلطته الروحية للدفاع عن ضحايا حرب محتملة في بلد آخر، مستنداً إلى تقليد كنسي ممتد، لا إلى نزوة شخصية أو انحياز حزبي. في لحظة كهذه، أجد أن الشك المعرفي الذي فرضه عليّ العمل الطويل على نقائص المؤسسة الكاثوليكية لا يلغي، بل ربما يعمّق، الإحساس بالامتنان تجاه بابا يرفض أن تُستعمل لغة الإنجيل لتزيين مشروع تدمير جماعي، ويصرّ على أن وظيفة الدين ليست خدمة الإمبراطورية، بل حماية من لا صوت لهم.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96097936/leo-14-trum...

صدور «المجال والذاكرة» يقرأ التصوف في الأطلس المغربي
