في أحد مواقف السيارات في ضواحي وارسو ظهر الروبوت الصغير ذي القامة البشرية «إدوارد فارتشوكي» وهو يهرول بخطوات معدنية سريعة خلف مجموعة من الخنازير البرية هاربة باتجاه الأشجار، في مشهد التقطته كاميرا هاتف ونشر عبر حسابه على منصة «إكس» مرفقاً بتعليق يفيد بأنه «يقود الخنازير نحو الغابة»، قبل أن ينتشر المقطع على نطاق واسع في وسائل إعلام دولية ومنصات فيديو، من بينها وسائل بريطانية وآسيوية أعادت بث اللقطات بوصفها مثالاً على التحام الذكاء الاصطناعي بالحياة اليومية في المدن الأوروبية. لم يكن هذا الظهور الأول للروبوت في الفضاء العام البولندي، لكنه شكل منعطفاً جديداً في مسار تحوله من تجربة تقنية محلية إلى ظاهرة إعلامية عابرة للحدود الرقمية.
يحمل الروبوت، المطوَّر على أساس منصة «يوني تري جي 1» الصينية، ملامح إنسان آلي مدمجاً بقدرات حوسبة تعتمد على نماذج ذكاء اصطناعي للمحاورة واتخاذ القرار في الزمن الحقيقي، ما يسمح له بالتنقل على قدمين والتفاعل مع المارة بلغتهم، مع الحفاظ على استقلالية نسبية في الحركة والاستجابة دون تحكم مباشر ظاهر من مشغليه، وفق توصيف تقارير تقنية غربية وصينية تناولت قدراته وطبيعة تشغيله في بولندا. يتيح هذا التكوين الجمع بين جسد ميكانيكي مدمج ومستوى متقدم من المعالجة اللغوية، الأمر الذي يجعل من شخصية «إدوارد» نموذجاً مصغراً لما يمكن أن تكون عليه الروبوتات «المؤنسنة» في الفضاء العام خلال الأعوام المقبلة.
ابتكر شخصية «إدوارد» ثنائي من رواد الأعمال البولنديين، رادوسواف غرجيلاشِك وبارتوش إدزيك، اللذان انتقلا من عالم العملات المشفرة وتكنولوجيا «البلوك تشين» إلى استثمار خبرتهما الرقمية في بناء صورة افتراضية لروبوت يحمل سمات سلوكية ولغوية قريبة من المخيال الشعبي المحلي، مع الاعتماد على حضور كثيف في شبكات التواصل والمقاطع القصيرة، ما أتاح لهذا الكيان الميكانيكي أن يراكم ملايين المشاهدات خلال أسابيع قليلة، وفق تقديرات صحفية محلية وأوروبية. ويبدو أن هذا التوجه يربط بين الاقتصاد الرمزي للمحتوى الرقمي وبين البنية الصناعية للروبوتات التجارية، في صيغة هجينة تضع «إدوارد» في موقع أقرب إلى «مؤثر» رقمي يتنقل في الشارع بدل الاكتفاء بظهور افتراضي على الشاشة.
لم يقتصر نشاط الروبوت على التواصل مع المارة في الشوارع أو التفاعل مع الأطفال وكبار السن الذين يتوقفون لالتقاط الصور معه، بل امتد إلى حضور جلسات في مجلس النواب البولندي «السييم» حيث ظهر في أروقة البرلمان متبادلاً الحديث مع نواب ومسؤولين، في لقطات أرشفتها وكالات صور دولية ووسائل إعلام محلية بوصفها سابقة في إدخال روبوت مؤنسن إلى قلب مؤسسة تشريعية في دولة أوروبية. كما سجل ظهوره في برامج تلفزيونية وأنشطة عامة، ما عزز ملامح شخصيته بوصفه جسراً بين النقاش العام حول الذكاء الاصطناعي وتجسيده الملموس في هيئة آلية تتحرك وتنظر وترد على الأسئلة أمام الجمهور.
حادثة مطاردة الخنازير البرية فتحت مستوى جديداً من التفاعل مع البيئة الحضرية؛ فالخنازير التي تتوغل أحياناً في أطراف المدن البولندية بحثاً عن الغذاء تحولت إلى عنصر سردي إضافي في قصة الروبوت، إذ ظهر «إدوارد» وهو يهرع نحوها مردداً بعبارات بولندية تطلب منها المغادرة، قبل أن تنسحب الحيوانات إلى منطقة أكثر خضرة بعيداً عن السيارات والمباني، حسب ما نقلته تسجيلات مصورة تداولتها منصات أوروبية وآسيوية. وقدمت بعض التقارير التقنية والاقتصادية الحادثة بوصفها مثالاً على الاستعانة بروبوتات صغيرة محمولة التكاليف في مهام متصلة بإدارة الفضاء العام، حتى وإن بدت أقرب إلى أداء استعراضي من حل عملي لمعضلة التعايش بين الحياة البرية والتوسع العمراني.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/news/i/96058322/-edward-ro...

ثورة الوكلاء البرمجيين وقلق «الشلوبوكاليبس» الجديد
