المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

كيف تغيّرت تسميات دراسة الأديان؟ بيار جيزيل يقرأ تاريخ المصطلحات


الخميس 8 أكتوبر 2026 à 09:15 |




يتناول الباحث السويسري بيار جيزيل في دراسة منشورة عام 2013 تاريخ المصطلحات المستخدمة في الحقول الأكاديمية المعنية بالدين، من «العلوم الدينية» و«علوم الأديان» إلى «علم الأديان» و«الدراسات الدينية»، وصولاً إلى التاريخ الديني وفلسفة الدين. وينطلق من تعدد هذه التسميات وما يرافقه من تداخلات مؤسسية وفكرية، معتبراً أن الاختلاف اللفظي لا يقتصر على مسائل الصياغة، بل يرتبط بتاريخ التخصصات وبالرهانات المعرفية والاجتماعية التي صاحبت تشكلها.



يوضح جيزيل أن مصطلحي «العلوم الدينية» و«علوم الأديان» يُستخدمان غالباً بصورة متبادلة في المجال الفرنكوفوني، وإن كانت الصيغة الثانية تحظى اليوم بانتشار أوسع. ويرى أن الاعتراض القائل إن العلم لا يمكن وصفه بأنه ديني لا يحسم المسألة، إذ تسمح بنية اللغة الفرنسية بتسميات مماثلة، مثل العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. كما يشير إلى أن الاختيار بين الصيغتين لا يكشف، في الواقع، عن اختلاف ثابت في المناهج أو في مضامين التدريس والبحث.


ويعرض الكاتب نقاشاً آخر يتعلق بمفردتي «الدين» و«الأديان». فاستعمال الجمع ينسجم مع الاعتراف بالتعدد التاريخي والجغرافي للتقاليد الدينية، إذ تختلف أشكال المسيحية والإسلام والبوذية بحسب السياقات والعصور. لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن التركيز على التعدد قد يقود إلى تجاور تخصصات منفصلة، على حساب التفكير في التحولات والروابط التي تصل بين تلك الأشكال الدينية وتفسر اختلافاتها.


ويربط جيزيل نشوء حقل تاريخ الأديان بالقرن التاسع عشر، حين غلب الاهتمام بالتاريخ المقارن وباكتشاف الاختلافات والتبادلات بين التقاليد. وقد غذّت تلك المرحلة مقارنات واسعة بين الآريين والساميين، أو بين الشرق والغرب، وبين البوذية والمسيحية. كما ساعدت الدراسات الفيلولوجية والتاريخية على إبراز الصلات بين النصوص الدينية وبيئاتها الحضارية، ومنها العلاقة بين الكتاب المقدس وموروثات بابل ومصر، أو بين المسيحية الناشئة والعالم الهلنستي.


لكن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية خلال القرن العشرين وسّع نطاق دراسة الدين. فلم يعد البحث يقتصر على النصوص والأصول والأحداث التاريخية، بل أصبح يشمل المؤسسات والطقوس والممارسات والثقافات وأنماط التنظيم الرمزي. وفي هذا الإطار، اكتسبت السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وعلم النفس أهمية متزايدة، مع بقاء التاريخ حاضراً بوصفه أداة لفهم تشكل الظواهر الدينية وتبدل وظائفها ضمن سياقات اجتماعية وثقافية محددة.


ويؤكد الباحث أن علوم الأديان نشأت، منذ منتصف القرن التاسع عشر، في مسار تميز بالسعي إلى الاستقلال عن اللاهوت. غير أن العلاقة بين المجالين أكثر تعقيداً من مجرد القطيعة، لأن عدداً من رواد تاريخ الأديان والعلوم الدينية خرجوا من كليات اللاهوت، ولا سيما في الأوساط البروتستانتية الليبرالية في ألمانيا وفرنسا. ويرى أن هذا الأصل ترك بصمته على بعض المقاربات المبكرة، التي منحت المسيحية موقعاً متميزاً ضمن تصور تطوري أو تقدمي للأديان.


ويميز جيزيل بين «التاريخ الديني» و«تاريخ الأديان». فالتاريخ الديني يعني دراسة موضوعات ذات صلة بالدين داخل مجال تاريخي أوسع، مثل المؤسسات والمباني والآثار والحركات والهيئات، تماماً كما يقال التاريخ الاجتماعي أو الثقافي. أما تاريخ الأديان وعلوم الأديان فيحيلان إلى بحث أوسع في الظاهرة الدينية نفسها، وفي المفاهيم التي تحددها وفي المناهج التي تعالجها.


كما يفرق بين الفلسفة الدينية وفلسفة الدين. فالأولى تميل إلى بناء رؤية عامة للإنسان والعالم تستند إلى خلفية روحية أو دينية، حتى إن تحررت من الأطر الكنسية والعقائدية. أما الثانية فتتناول الأديان القائمة بوصفها موضوعاً للفحص الفلسفي، من دون أن تتحول إلى بديل عقائدي عنها أو إلى صياغة شاملة لحقيقتها.


وينتهي جيزيل إلى الدعوة لتجاوز المقابلة المبسطة بين الوصف العلمي والاقتناع الديني. ويقترح عملاً نقدياً وتأملياً يعيد مساءلة مفاهيم الدين والاعتقاد والعلم والفلسفة نفسها، باعتبارها مفاهيم تاريخية تشكلت داخل الحداثة ولا تزال تؤثر في فهم المجتمعات لظواهرها الثقافية والدينية.




المصدر : https://www.soubha.com/news/i/98252999/gisel-tarik...



Rss
Twitter
Newsletter