تحت سماء مدينة برمنغهام الإنجليزية، حيث يلف الضباب البارد مبنى "أستون ويب" العريق بجامعته الشهيرة، يقبع كنزٌ استثنائي يحمل في طياته حرارة شمس شبه الجزيرة العربية من القرن السابع الميلادي. إنه تناقضٌ يثير الدهشة؛ كيف انتهى الأمر بورقات كُتبت في مهد الإسلام الأول لتستقر في مكتبة بريطانية حديثة؟ والأكثر إثارة هو أن هذه الوثيقة المقدسة ظلت مخفية عن أعين العالم، تقبع في صمت على الرفوف لما يقرب من قرن من الزمان، قبل أن تخرج للنور وتكشف عن قيمتها الحقيقية التي "أسرت خيال العالم" كما وصفها الأمير تشارلز. فما هي قصة هذا الاكتشاف الذي لم تكن تحكي خفاياه مشاعل في غرف مغلقة، بل "ابتسامة" قدر أعادت ربطنا بجذور التاريخ؟
لم يكن العثور على هذه المخطوطة نتيجة لعملية تنقيب أثرية دراماتيكية، بل كان اكتشافاً لقيمة تاريخية كانت مهملة لردح من الزمن داخل "مجموعة منجانا" بجامعة برمنغهام، التي تضم أكثر من 3000 وثيقة من الشرق الأوسط. والمفارقة التاريخية تكمن في أن هذه الوريقات كانت مجلدة بطريق الخطأ مع أوراق أخرى لمصحف أحدث منها زمناً، مما جعل هويتها الحقيقية تتوارى خلف تشابه الخطوط الظاهري. ويعود الفضل في فك هذا الغموض إلى الباحثة "ألبا فيديلي"، التي لم تمر ملاحظتها الدقيقة مرور الكرام؛ إذ أدركت بذكاء وجود اختلاف واضح في "يد" الكاتب والسمات الخطية بين الأوراق المجلدات معاً. هذا الفضول المعرفي دفع الجامعة لإرسال المخطوطة إلى مختبرات جامعة أكسفورد لإجراء اختبار الكربون المشع، لتأتي النتائج وتصدم الأوساط الأكاديمية بنسبة دقة مذهلة.
كشفت نتائج اختبار الكربون المشع عن أرقام أذهلت الباحثين؛ فقد أظهر التحليل أن المخطوطة تعود للنطاق الزمني ما بين عامي (568م و645م) بنسبة دقة تصل إلى 95.4%. هذه الأرقام تضع المخطوطة في قلب العصر النبوي أو بعد وفاة النبي محمد ﷺ بفترة وجيزة جداً (حيث توفي عام 632م). هذه الدقة الزمنية جعلت العلماء يتأملون في هوية كاتبها المجهول الذي استخدم حبراً مستخلصاً من الفحم الأسود على رق من جلد الحيوان. وفي هذا السياق، يقول البروفيسور ديفيد توماس، أستاذ المسيحية والإسلام بجامعة برمنغهام: "ربما كتبها شخص عاصر النبي محمد ﷺ، وربما رآه وسمعه شخصياً."
وتكمن الأهمية الكبرى لهذه المخطوطة في كونها "ألقـت بحجر" في مياه الحياة الأكاديمية الراكدة، حيث حسمت جدلاً طويلاً حول تاريخ تدوين القرآن. فبينما اقترح بعض الأكاديميين الغربيين سابقاً أن القرآن جُمع في وقت متأخر، جاءت هذه المخطوطة المكتوبة بالخط "الحجازي" القديم لتؤكد الفرضية التقليدية؛ فالنص يتطابق تماماً مع المصحف الذي نقرؤه اليوم. وتتضمن المخطوطة آيات من السور 18 و19 و20 (الكهف، مريم، وطه)، وهي مكتوبة بوضوح تام يسهل قراءته حتى بعد مرور أكثر من 1370 عاماً. هذا الاكتشاف أثبت أن النص القرآني ظل محفوظاً دون تبديل منذ القرن الأول الهجري، مما يعزز الموثوقية التاريخية لعملية الجمع الأولى التي تمت في عهد الخلفاء الراشدين.
وفي رحلة دولية عابرة للحدود، نجت هذه المخطوطة بفضل تعاون شخصيات من خلفيات دينية متنوعة، وفي سياق تاريخي يرتبط بطموحات "الإمبراطورية البريطانية". ففي أوائل القرن العشرين، كانت بريطانيا تعيش عصراً ذهبياً للمستكشفين الذين سعوا للسيطرة على ميادين الفكر والثقافة عبر جمع نفائس الحضارات القديمة وتحويل مكتبات جامعاتهم إلى "خزائن عالمية". وسط هذا المناخ، برز "ألفونس منجانا" (الكاثوليكي الكلداني ذو الأصول العراقية) الذي سافر للشرق الأوسط بتمويل من "إدوارد كادبوري" (ابن عائلة الشوكولاتة الشهيرة والمنتمي لجماعة "الكويكرز" البروتستانتية). هذه المفارقة تجعل من المخطوطة رمزاً للتفاهم العالمي؛ إذ حفظها مسيحيون وقدموها للعالم كإرث إنساني مشترك، يعكس كيف يمكن للتراث الثقافي أن يوحد البشر عبر العصور.
وتشير أبحاث الباحثة فيديلي والبروفيسور "فرانسوا ديروش" إلى أن أصل هذه المخطوطة يعود على الأرجح إلى مسجد "عمرو بن العاص" في الفسطاط (القاهرة)، وهو أقدم مسجد في أفريقيا ومركز الإشعاع الثقافي الأول في القارة السمراء. ارتبط خروجها من مصر بروح "عصر التنوير" التي صاحبت حملة نابليون بونابرت، حيث كان الدبلوماسي الفرنسي "آسلين دي شيرفيل" يجمع الكنوز التاريخية ببراعة أثناء عمله كقنصل في القاهرة. وتشير الأبحاث إلى احتمالية أن يكون منجانا قد اشترى هاتين الصفحتين في عام 1936 من بائع الكتب القديمة "إريك فون شيرلنج" في ليدن. والمثير للشجن التاريخي هو أن صفحات هذا "المصحف الأم" تفرقت بين باريس برمنغهام؛ وبينما استقر جزء كبير منها في المكتبة الوطنية بفرنسـا، "تبخرت" صفحات أخرى نتيجة عمليات النقل والبيع غير الرسمية، مما يتركنا أمام لغز حول ما تبقى من هذا المصحف العظيم.
إن قصة مخطوطة برمنغهام هي دعوة للتأمل في قيمة التراث الإنساني الذي يتجاوز حدود الزمن والجغرافيا. هذه الورقات الصفراء الهشة ليست مجرد أثر تاريخي يقبع خلف صناديق زجاجية، بل هي وثيقة حية تعيد ربطنا بجذور التاريخ وتؤكد خلود الكلمة ودقة نقلها عبر الأجيال. ومع هذا الاكتشاف، يظل السؤال الفكري يراودنا: كم من الكنوز العظيمة الأخرى لا تزال تقبع في صمت على "الأرفف الصامتة" في المكتبات العالمية، تنتظر من يفك شفراتها ويحكي قصصها لم تروَ بعد؟ إن هذه المخطوطة تذكرنا بأن التاريخ، مهما طال اختفاؤه خلف غطاء خاطئ أو ضباب بعيد، لا بد أن يجد طريقه يوماً ليعلن عن نفسه.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96960466/knz-fy-aldb...

حدود وعي الذكاء الاصطناعي في مقال تيد تشانغ
