المقالاتي | مُجمّع الأخبار والمقالات المميزة

قراءة نقدية لمقابلة برنارد لوغان عن فرنسا وأفريقيا


الثلاثاء 30 يونيو 2026 à 19:04 |




يقدّم الحوار المطوّل المنشور على موقع «لو ديبلوماط» مع المؤرخ الفرنسي برنارد لوغان حول «فرنسا وأفريقيا» مادة كثيفة تسمح برصد ملامح سردية تاريخية خاصة حول العلاقة الفرنسية بالقارة، تقوم على إعادة تأطير إرث الاستعمار ونقد الخيارات السياسية الأخيرة، مع ادعاء تقديم «تشريح» للحضور الفرنسي واستشراف لآفاق أفريقيا من دون وصاية. هذا النوع من الخطاب، الذي يحمله مؤرخ معروف إعلامياً بمواقفه من رواندا ومن «فرانسافريك»، يهم بشكل مباشر العمل التحريري وأعمال الرصد، بقدر ما يربط بين التاريخ والأمن والهجرة والذاكرة في منظومة تفسيرية واحدة.



من هو برنارد لوغان؟

يتموضع برنارد لوغان، كما يقدمه الموقع، بوصفه متخصصاً في تاريخ أفريقيا، مع مسار طويل في التدريس الجامعي والإنتاج الفكري، من بينها أعمال حول القرن الأفريقي ورواندا وعلاقات فرنسا بالأنظمة الأفريقية. هذا الرصيد يسمح له في المقابلة باستدعاء أحداث مفصلية مثل الحرب الأهلية الرواندية، وأزمات القرن الأفريقي، وتحولات النظم السياسية في غرب ووسط أفريقيا، مع ربطها المباشر بخيارات باريس العسكرية والديبلوماسية. غير أن جزءاً من هذا الرصيد الفكري محاط منذ سنوات بانتقادات حادة من باحثين ومنظمات غير حكومية، لا سيما في ما يتعلق بقراءة دور فرنسا في الإبادة الجماعية في رواندا، حيث تعتبره بعض الدراسات مثالاً على خطاب يسعى إلى التخفيف من مسؤوليات الدولة الفرنسية مقارنة بما توثقه تقارير متخصصة.


إرث استعماري مقابل واقع جديد

في الحوار، يتعامل لوغان مع مفهوم «الحضور الفرنسي» في أفريقيا من زاوية مزدوجة: من جهة إرث تاريخي يمتد من الحقبة الاستعمارية إلى زمن «فرانسافريك»، ومن جهة أخرى واقع جديد يتسم بتراجع النفوذ لصالح قوى أخرى من بينها الصين وروسيا وفاعلون إقليميون. هذه المقاربة تتيح له الدفاع عن فكرة أنّ فرنسا قدّمت، في بعض الحالات، بنية تحتية ومؤسسات وتعليماً، مقابل سرديات أخرى تعتبر أنّ الكلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للاستعمار وما تلاه كانت صارمة على المجتمعات الأفريقية، كما يُظهر ذلك جزء من الأدبيات التاريخية والنقدية المعاصرة حول علاقات أوروبا بأفريقيا.


يسعى لوغان في هذا النوع من المقابلات إلى إعادة ترتيب جدول أولويات النقاش الفرنسي حول أفريقيا، فيربط مسألة الوجود العسكري في الساحل، مثلاً، بملفات الهجرة والأمن الداخلي في فرنسا، مع التركيز على الفجوة المتزايدة بين التصورات السياسية في باريس ومطالب النخب الأفريقية الجديدة. هذا الربط بين الملفات يقدّم مادة قابلة للاستغلال في التحليل الإعلامي، لكنه يندرج أيضاً في سياق خطاب فرنسي أوسع ينظر إلى القارة من زاوية المخاطر والتهديدات، وهو خطاب تعرض للنقد من قبل جزء من الباحثين الأفارقة والفرنكوفونيين الذين يطالبون برؤية تضع في صلبها ديناميات المجتمعات والاقتصادات المحلية، وليس فقط تفاعلاتها مع أوروبا.


رواندا والذاكرة السياسية المتنازع عليها

أحد مداخل الاهتمام المهني بهذا الحوار يكمن في الطريقة التي يتعامل بها لوغان مع الذاكرة التاريخية، خصوصاً في ملفات مثل رواندا، حيث تتقاطع رؤيته مع سجال فرنسي طويل حول دور باريس قبل وأثناء الإبادة الجماعية سنة 1994. تقارير بحثية ومواد أرشيفية منشورة، منها أعمال أكاديمية ووثائق صحفية، توثق تورطاً فرنسياً متعدد المستويات في دعم النظام الرواندي الذي نفذ الإبادة، وتنقد سرديات تسعى إلى تقليص هذه المسؤولية أو إعادة صياغتها في إطار «سوء تقدير» أو «سياق الحرب الباردة». قراءة مقابلة لوغان في ضوء هذه الأدبيات تسمح للصحفي أو الباحث في مجال الذاكرة السياسية برصد الفوارق بين السرديات التاريخية المتعارضة حول نفس الوقائع، ومتابعة كيفية إعادة تدويرها في المجال الإعلامي.


يمثل ظهور هذا الحوار في منصة مثل «لو ديبلوماط»، التي تقدم نفسها كمنبر إعلامي مخصص للقضايا الدولية منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، مؤشراً على الطلب المتزايد داخل الفضاء الفرنكوفوني على تحليلات واسعة النطاق تربط بين الجبهات الأوكرانية، والمتوسط، والساحل الأفريقي. هذا التشابك بين الأزمات يعيد أفريقيا إلى قلب نقاشات الأمن الأوروبي، وهو ما يمنح صوت لوغان وغيره من المؤرخين والمتخصصين وزناً مضاعفاً في تشكيل الرأي العام، رغم النقاش القائم حول تحيزاتهم الإيديولوجية واختيارهم الانتقائي للأمثلة. بالنسبة لصحفي متخصص في العلاقات الدولية، يشكل هذا النوع من النصوص مادة أولية قابلة لتفكيك منهجياتها، واختبارها بالمقارنة مع مصادر متعددة، وتوظيفها في إنتاج محتوى نقدي يوضح للقارئ كيف يتقاطع التاريخ مع الصحافة في تشكيل سرديات السياسة الخارجية.




المصدر : https://aljanoubiya.articlophile.net/articles/i/97...



Rss
Twitter
Newsletter