«مع الآلهة» ورموز التدين الكوري المعاصر
يرى الباحث أنطوان كوبولا أن النجاح الجماهيري الكبير لفيلمي «مع الآلهة» في كوريا الجنوبية وعدد من بلدان آسيا لا يقتصر على جاذبية الحكاية أو ضخامة الإنتاج، بل يكشف عودة واضحة للرموز الدينية إلى الشاشة المحلية في صيغة لا تنتمي بالكامل إلى دين واحد. فالفيلمان، اللذان يتناولان المحاكمة في العالم الآخر وإمكان التناسخ، يعرضان مزيجاً من المراجع البوذية والشامانية والكونفوشيوسية والمسيحية، ضمن بناء سردي يستجيب لتصورات معاصرة عن الحياة والموت والأسرة والعدالة.
يضع كوبولا هذا النجاح في سياق توسع الحضور الثقافي الكوري الجنوبي، ويربطه بنزعة آسيوية جديدة تسعى إلى إنتاج مخيال مشترك يتجاوز الحدود الوطنية. وقد حقق الفيلمان معاً، بحسب الدراسة، نحو 27 مليون دخول في كوريا الجنوبية، فضلاً عن انتشارهما في أسواق بجنوب شرق آسيا. ويشير الباحث إلى أن فريق العمل قدّم المشروع بوصفه تركيباً لمعتقدات متداولة لدى الكوريين وجمهور آسيوي أوسع، بينما أرجع بطل الفيلمين ها جونغ وو جانباً من الإقبال إلى ما وصفه بالبعد البوذي الآسيوي، مع إبراز برّ الوالدين في كل جزء.
ويشرح المقال أن الفيلم يستعير من الشامانية شخصية غانغ ريم، الرسول المرتبط بالميثولوجيا الكورية، ومن البوذية والهندوسية فكرة التناسخ، ومن الكونفوشيوسية مركزية البرّ العائلي، فيما تستحضر ثنائية العالم الأرضي والعالم الآخر تصورات مألوفة في تقاليد دينية متعددة. غير أن هذه العناصر لا تُقدَّم وفق أصولها العقدية الدقيقة، بل يعاد ترتيبها في منظومة سردية واحدة تمنح الأولوية لتوقعات الجمهور المعاصر، ولا سيما تفضيل العودة إلى الحياة الإنسانية بدلاً من تصور التناسخ في أشكال متعددة تشمل الحيوان أو النبات.
ويقارن كوبولا هذا النموذج بأشكال سابقة من تمثيل الأديان في السينما الكورية الجنوبية. فقد بقيت الأفلام البوذية، مثل «لماذا غادر بوديدارما إلى الشرق؟» للمخرج باي يونغ غيون، أقرب إلى السينما الفنية ذات الانتشار المحلي المحدود، رغم مكانتها النقدية في الخارج. أما الشامانية، فظهرت طويلاً بوصفها عنصراً وظيفياً في أفلام الرعب والإثارة والكوميديا، من خلال الطقوس والتلبس والنبوءات، قبل أن تتسع مساحة حضورها في أعمال أحدث مثل «العويل» لنا هونغ جين. وفي المقابل، ارتبطت السينما ذات الموضوع المسيحي غالباً بالحكايات التاريخية أو قصص الكهنة وطرد الأرواح، مع نزعة نقدية تجاه مؤسسات كنسية يقدمها بعض الأفلام باعتبارها متصلة بالمصالح والمال والنفاق الاجتماعي.
ويعتبر الباحث أن التلفزيون الكوري أسهم بدوره في ترسيخ فكرة التناسخ، خصوصاً عبر مسلسلات تقوم على عودة الشخصيات في حيوات جديدة أو على فقدان الذاكرة. ومن هذا المنظور، يبدو فيلم «مع الآلهة» امتداداً لهذا الخيال التلفزيوني، لكنه ينقله إلى إنتاج سينمائي واسع يربط التناسخ بمشهد محاكمات سماوية. وتقوم هذه المحاكمات على سبع دوائر للجحيم، تشمل الظلم والكسل وعقوق الوالدين والكذب والخيانة والعنف والقتل، من دون مطابقة كاملة مع التصورات الدينية المعروفة في التقاليد الغربية أو الهندية والبوذية.
ويخلص كوبولا إلى أن البنية الدينية للفيلمين تقوم أساساً على قيم كونفوشيوسية جديدة، أبرزها الطاعة الأسرية، والشرعية القانونية، والسلطة الذكورية المركزية، وأهمية التعليم. فالعالم الآخر في الحكاية لا ينفصل عن النظام الأرضي، بل يعيد إنتاج مراتبه وقواعده تحت سلطة آلهة وقضاة ووسطاء. كما يستدعي الفيلم ماضي مملكة غوريو وشخصيات الجورشن والخيتان ليمنح هذا المخيال بعداً تاريخياً وسياسياً متصلاً بفكرة آسيوية مركزها كوريا.
وتؤكد الدراسة أن الفيلم يفسح المجال أيضاً لانتقادات اجتماعية مرتبطة بواقع الشباب الكوري، منها التفاوت الاقتصادي وسوق العقار والأزمات المالية وما يعرف بخطاب «كوريا الجحيم». لكنه، وفق قراءة كوبولا، يستوعب هذه الاعتراضات داخل نظام أخلاقي لا يطرح تغيير الظروف الاجتماعية، بل يربط المصير بالاختيار الفردي والامتثال لمنظومة قيم ثابتة. وهكذا يقدم «مع الآلهة» نموذجاً لتدين تركيبي يتجه نحو المستقبل، لكنه يبقى مشدوداً إلى تراتبية الأسرة والسلطة والقدر في المخيال الكوري.
المصدر : https://nour.soubha.com/articles/i/98253497/%D9%85...










