في قلب الصحراء الموريتانية، تحت سقف مرتفع تتسلل عبره أشعة الشمس، يواصل محمد غلام الحبوط عمله اليومي داخل مكتبة عائلته في مدينة شنقيط، متفقداً مخطوطات ورثها عن أجيال سبقت. يفتح بحذر مجلداً قديماً، يقلب صفحاته الهشة، ثم يعيده إلى مكانه بعناية توحي بعلاقة تتجاوز حدود المهنة إلى صلة وجدانية عميقة. بالنسبة إليه، لا تمثل هذه الكتب مجرد تراث مادي، بل امتداداً لذاكرة عائلية وعلمية متجذرة.
تُعد شنقيط واحدة من أبرز الحواضر التاريخية في موريتانيا، وقد ازدهرت بين القرنين الثالث عشر والسابع عشر كمركز علمي وتجاري على طرق القوافل العابرة للصحراء. موقعها جعلها محطة للعلماء والتجار والحجاج، ما أسهم في تراكم رصيد معرفي كبير توزع على مكتبات عائلية عديدة. وتشير التقديرات إلى وجود نحو 6000 مخطوط تغطي مجالات متعددة، من الفقه والحديث إلى الطب والفلك والشعر.
غير أن هذا الإرث يواجه تحديات متزايدة، يأتي في مقدمتها التغير المناخي. فارتفاع درجات الحرارة وتزايد التقلبات الجوية يؤثران مباشرة في سلامة المواد العضوية التي صنعت منها المخطوطات. ويشرح باحثون أن موجات الحر الطويلة والرطوبة المفاجئة الناتجة عن أمطار غير منتظمة تسرّع من تلف الورق والحبر، كما أن البنية التقليدية للمباني لا توفر حماية كافية ضد هذه الظروف. وقد تناولت تقارير علمية أثر الموجات الحرارية المتزايدة على البيئات الهشة، ومنها مناطق الصحراء.
في الوقت ذاته، تتغير البنية الاجتماعية للمدينة. فقد تراجع عدد السكان مع انتقال كثيرين إلى المدن الكبرى بحثاً عن فرص تعليمية واقتصادية أفضل. هذا النزوح انعكس على استمرارية تقاليد حفظ المخطوطات، إذ لم يعد الجيل الجديد يُبدي الاهتمام نفسه بحمل مسؤولية المكتبات العائلية. محمد، الذي تولى هذه المهمة منذ عام 2002 بعد مرض والده، يدرك أن المستقبل غير مضمون، خاصة مع تردد أبنائه في متابعة هذا المسار.
وتكتسب هذه المخطوطات قيمتها أيضاً من ندرتها ومصادرها المتنوعة. فقد قام علماء من شنقيط برحلات طويلة إلى مراكز العلم في العالم الإسلامي، وعادوا بنصوص ومؤلفات أسهمت في تشكيل مكتبات المدينة. بعض هذه الأعمال كُتب محلياً، ما يمنحها بعداً توثيقياً إضافياً يعكس الحياة الفكرية في المنطقة خلال قرون سابقة.
رغم إدراج شنقيط ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1996، فإن جهود الحماية ما تزال محدودة. وفي عام 2024، موّلت المنظمة مشروعاً لتجهيز عدد من المكتبات بمعدات حديثة، شملت أنظمة تبريد ووسائل حفظ رقمية، بهدف دعم استمرارية هذا التراث. إلا أن هذه المبادرات لم تؤدِ إلى إعادة فتح جميع المكتبات، حيث بقيت مخطوطات كثيرة موزعة بين أفراد العائلات.
من جهة أخرى، تواجه طرق الحفظ التقليدية نقاشاً علمياً، مثل مسألة استخدام القفازات عند التعامل مع الكتب القديمة، إذ تشير دراسات إلى أن التعامل مع المخطوطات دون قفازات قد يكون في بعض الحالات أكثر أماناً، شرط الحفاظ على نظافة اليدين، لأن القفازات قد تقلل من الإحساس وتزيد خطر تمزيق الصفحات.
اقتصادياً، تعتمد بعض المكتبات على رسوم رمزية يدفعها الزوار، لكن القطاع السياحي في موريتانيا شهد تراجعاً ملحوظاً منذ منتصف العقد الأول من الألفية، قبل أن يبدأ بالتعافي تدريجياً. هذا التحسن النسبي لا يزال غير كافٍ لتغطية تكاليف الصيانة والترميم، خاصة مع الحاجة إلى تقنيات حديثة مثل الرقمنة.
داخل مكتبته، يواصل محمد عمله بصمت، متفحصاً صفحات تحمل رسوماً فلكية ونصوصاً دينية وعلمية. بالنسبة إليه، تمثل هذه المخطوطات مسؤولية تتجاوز حدود المكان والزمان، باعتبارها جزءاً من تراث إنساني مشترك، يتطلب جهداً مستمراً للحفاظ عليه في مواجهة تحديات طبيعية وبشرية متشابكة.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96778816/c...

ما هي معايير اختيار المرشد الصوفي الصادق؟
