يقدّم فيلم وثائقي جديد بعنوان «Baseball: Beyond Belief» قراءة موسعة للعلاقة المتشابكة بين لعبة البيسبول والتجربة الدينية في الولايات المتحدة، انطلاقا من فكرة أن هذا sport الجماهيري لا يقتصر على المنافسة والترفيه بل يلامس مفاهيم الطقس والجماعة والرجاء كما تُفهم في التقاليد الدينية المتنوعة. يستند الفيلم إلى كتاب صدر عام 2013 بعنوان «Baseball as a Road to God: Seeing Beyond the Game» لمؤلفه الرئيس السابق لجامعة نيويورك جون سيكستون، ويُبث على قناة Fox Sports 1 في عيد الفصح، في إشارة رمزية إلى توازي «الأيام المقدسة» في الأديان مع لحظات الانطلاق والتجدد في موسم البيسبول.
ينطلق العمل من تشبيه صريح بين العطلات الدينية الكبرى مثل عيد الميلاد والفصح ورمضان، وبين «يوم الافتتاح» في دوري البيسبول، حيث يراه المدير الفني السابق لنيويورك يانكيز جو توري بداية جديدة للجميع وانطلاقة تعادل لدى المشجعين طقس ولادة متجددة للفريق والأمل، بينما يصف المعلق التلفزيوني تشيب كاراي هذا اليوم بأنه فرصة لإعادة بناء التفاؤل والانطلاق من سجل نظيف. في مقابل الصلاة والنصوص المقدسة في الأديان، يستحضر الفيلم طقوس البيسبول المعروفة مثل الإرسال الافتتاحي الرمزي للمباراة وفقرة الغناء الجماعي في الشوط السابع، وصولا إلى حضور الشخصيات الرمزية مثل «فيلي فانتيك» الذي يتحول في وعي الجماهير إلى عنصر ثابت في ذاكرة التابعين.
يتوسع الفيلم في استخدام لغة دينية لوصف مكونات اللعبة، فيتحدث عن «معجزاتها» و«قديسيها» و«خاطئيها» و«بركاتها» و«لعناتها»، ويستحضر فكرة «الأرض الموعودة» بوصفها مكافئ الفوز ببطولة العالم التي يَعد كثير من المشجعين بلوغها ثمرة سنوات من الإيمان والصبر والرجاء. يربط واعظ فريق يانكيز ويلي ألفونسو بين هدف اللاعب في الوصول إلى القاعدة والعودة «إلى المنزل» وبين مسار المؤمن نحو غاية الحياة الروحية، فيما ترى الحاخامة ريبيكا ألبيرت أن الملعب يشكل فضاءً جماعيا يمنح الانتماء ويعيد إنتاج شعور الجماعة الذي يجد كثيرون مثيله في دور العبادة. أما عميد الحياة الدينية في جامعة جنوب كاليفورنيا فارون سوني فيقدّم اللعبة كمنصة لـ«معجزات حية» تمنح الأفراد إحساسا بواقع أوسع من ذواتهم وتُدخلهم في منظومة قيم مشتركة تتجاوز النتيجة النهائية للمباريات.
خلف هذا البناء النظري، يعتمد الفيلم على تجربة إنتاج تنتمي إلى تقليد طويل لدى شركة Paulist Productions التي يترأسها الكاهن الكاثوليكي توم غيبونز، والتي ما زالت منذ أكثر من ستة عقود تسعى إلى أعمال تربط بين المقدس والدنيوي عبر لغة بصرية متاحة لجمهور واسع. يشير غيبونز إلى أن تطوير الفيلم استغرق نحو سبع سنوات، وأن رهان الفريق كان على استخدام لغة البيسبول، بوصفها خبرة مشتركة لدى شرائح واسعة من الأميركيين، لتقريب الأسئلة الروحية من جمهور لا يعرّف نفسه بالضرورة من خلال الانتماء الديني التقليدي. ويرى أن العمل يعمل في اتجاهين متوازيين، إذ يتيح للمؤمنين اكتشاف أبعاد جديدة في الرياضة، ويمنح عشاق اللعبة أدوات مختلفة لفهم الدين عبر استعارات قريبة من تجربتهم اليومية.
يتضمن الوثائقي شهادات لوجوه رياضية وإعلامية تعكس تنوع الحقول التي تتقاطع فيها البيسبول مع الإيمان والسيرة الشخصية، من بينها اللاعب السابق شون غرين الذي سبق أن امتنع عن اللعب في يوم كيبور، ويرى أن وجود منظومة اعتقادية واضحة عنصر أساسي في الحياة وفي الأداء الرياضي، والصحافية الرياضية كافيذا ديفيدسون التي تروي كيف تحوّل فوز يانكيز ببطولة العالم عام 2009 إلى لحظة ذات معنى شخصي عميق بعد تجربة صدمة نفسية قاسية، حتى بدت لها النتيجة الرياضية كإشارة على إمكانية عودة الخير إلى حياتها. ويجمع الفيلم بين هذه القصص المعاصرة ومحطات مفصلية من تاريخ اللعبة، مثل كسر جاكي روبنسون لحاجز اللون عام 1947، وضربة كيرك غيبسون الحاسمة في سلسلة 1988، والإرسال الافتتاحي الذي قام به الرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 أيلول، إضافة إلى مقاطع من أفلام سينمائية مثل «The Natural» و«Eight Men Out» وظّفت البيسبول منذ عقود كرمز للذاكرة الأميركية.
في خلفية المقال الذي تناول الفيلم، يستعيد الكاتب تجربته الشخصية كمتابع مخلص لفريق تكساس رينجرز، ورحلته لزيارة ملاعب الدوري الثلاثين، وما رافق ذلك من قصص عائلية صغيرة تتحول بمرور الوقت إلى نوع من الذاكرة الجمعية الخاصة، من البطانيات التي اقتناها في ملاعب مختلفة إلى لحظة استضافة حفيده في مقابلة تلفزيونية قصيرة في ملعب فيلادلفيا. هذه القصص لا تقدم نفسها كاستطراد عاطفي بقدر ما تشكّل مثالاً حيّاً على ما يقترحه الفيلم نظريا: أن البيسبول، بما يتضمنه من مساحة مشتركة بين الأجيال ومن تكرار طقوسي للمواسم والمباريات، قادر على بناء هوية متراكمة لا تقل رسوخا عن انتماءات أخرى، وأن كثيرين يجدون في رحلتهم مع فرقهم المفضلة مسارا لقراءة الذات والعائلة والمجتمع من خلال منظار واحد مستمر.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95810862/tkos-omaagz...

ذكاء اصطناعي يغيّر جوهر المهنة الصحفية
