تُظهر المعطيات التي يجمعها عدد من وسائل الإعلام الدولية والمؤسسات المتخصصة في دراسة السياحة أن مفهوم «السياحة المفرطة» لم يعد مجرد توصيف إعلامي، بل أصبح فئة تحليلية تستخدمها منظمات مثل منظمة السياحة العالمية لوصف الحالات التي يتجاوز فيها عدد الزوار قدرة الاستيعاب الفعلية للمكان، سواء من حيث البنية التحتية أو التوازنات الاجتماعية والبيئية. هذا المفهوم يرتبط مباشرة بما تسميه بعض الدراسات «تراكم الزائرين في عدد محدود من النقاط»، حيث تؤكد تقديرات متداولة أن ما يقرب من 95٪ من المسافرين يتركزون في حوالى 5٪ من سطح الكوكب، مع ما يعنيه ذلك من ضغط مكثف على بعض المدن والمواقع ذات الشهرة العالمية. ويعيد هذا النوع من التركّز فتح نقاش واسع داخل الأوساط الأكاديمية والمهنيّة حول حدود نموذج السياحة الدولية القائم على تعظيم أعداد الوافدين سنويا بوصفها مؤشرا رئيسيا للنجاح.
تُبرز بيانات منظمة السياحة العالمية للسنوات الأخيرة أن عدد السياح الدوليين انتقل من عشرات الملايين في منتصف القرن العشرين إلى أكثر من مليار ونصف المليار زائر في منتصف العقد الحالي، مع توقعات بالاقتراب من 1,8 مليار سائح دولي في أفق 2030 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. تتزامن هذه الدينامية مع تعميم السفر الجوي منخفض الكلفة وتنامي الطبقات الوسطى في عدد من الاقتصادات الصاعدة، ما يؤدي إلى تضاعف حركة عبور المطارات العالمية لتقترب من خمسة مليارات مسافر في سنة واحدة وفقا لبعض التقديرات القطاعية. هذه الأرقام تعني أن حركة الأشخاص عبر الحدود لم تعد ظاهرة نخبوية، بل تحولت إلى نشاط جماهيري تتنافس عليه دول عديدة عبر استراتيجيات ترويج مكثفة وسباق على «الحصص» في السوق السياحية العالمية.
على مستوى المدن والمواقع، ترصد تقارير رسمية ودراسات جامعية حالات ملموسة لسياحة مفرطة طالت مدنا متوسطية وأخرى آسيوية وأمريكية، حيث تستقبل بعض الوجهات موسما بعد آخر أعدادا من الزوار تفوق بأضعاف عدد السكان المقيمين. في مدن تاريخية مثل فينيسيا أو مراكز كونية أخرى، يؤدي تراكم الزوار إلى ارتفاع كثافة المشاة في الأحياء القديمة، وضغوط على خدمات النفايات والنقل العام، وتحوّل متدرج في وظائف الفضاء الحضري باتجاه أنشطة موجهة أساسا للزائر العابر على حساب الاستخدامات اليومية للقاطنين. كما تسجل عدد من الوجهات الساحلية الصغيرة نسبا مرتفعة جدا من السياح لكل ساكن، ما يخلق معادلة اقتصادية تعتمد فيها شريحة واسعة من الأنشطة على الطلب السياحي، مع تعرّض نفس هذه المناطق إلى تقلبات موسمية حادة وتباينات بين فترات الذروة وفترات الركود.
تتعامل السلطات المحلية والجهات المنظمة مع هذا الوضع عبر مجموعة واسعة من الأدوات التنظيمية الجديدة التي تذكرها تقارير صحفية وتحليلات متخصصة، من بينها وضع سقوف يومية لعدد الوافدين إلى بعض المواقع الحساسة، أو فرض رسوم دخول على الزوار الذين لا يبيتون في المدينة، أو تنظيم مسارات الوصول إلى نقاط الالتقاط الفوتوغرافي المعروفة للحد من الاكتظاظ. في حالات أخرى، يتم تحديد عدد الزوار المسموح به يوميا في مواقع طبيعية أو جزر ذات أنظمة بيئية هشة، مع اشتراط حجز مسبق ورسوم خاصة بهدف تغطية تكاليف الحماية البيئية ومراقبة التدفقات. كما ظهرت سياسات محلية تحد من انتشار الإيجارات القصيرة الأجل في مراكز المدن التاريخية، بدافع تقليل الضغط على سوق السكن وتشجيع عودة السكان الدائمين أو تثبيتهم في الأحياء القديمة.
تطرح هذه التحولات أسئلة متزايدة حول توازنات الاقتصاد الحضري، حيث تشير تحليلات مثل دراسة مؤسسة جان جوريس حول «التهويل الإعلامي للسياحة المفرطة» إلى أن النقاش العام يميل أحيانا إلى التركيز على الحالات الرمزية ذات الكثافة العالية، مع إهمال الوجهات التي تستوعب الجزء الأكبر من الطلب في منشآت مصممة أصلا لاستقبال أعداد كبيرة من الزوار. هذا النوع من التحليل يميز بين سياحة مفرطة حقيقية في نقاط محدودة جدا، وبين بنى استقبال ذات طاقة كبيرة في وجهات أخرى، يرى بعض الباحثين أنها تلعب وظيفة «صمامات أمان» تستوعب الجزء الأكبر من السائحين الذين لا يتوجهون إلى الأماكن الأكثر حساسية. ومن زاوية مفهوم «القدرة الاستيعابية»، تتحول بعض محطات الساحل أو الجبال إلى فضاءات يُفترض أن تعمل بكفاءة حتى في فترات الامتلاء الكامل، رغم ما يعترف به عدد من التقارير من ثغرات في تخطيط الوصول والخدمات المرافقة.
إلى جانب البعد الكمي، تبرز في الأدبيات المعاصرة تفرقة بين أشكال مختلفة من رفض السياحة، إذ تميز بعض النصوص المهنية بين ما يُسمى «رفض صناعة السياحة» و«رفض السياح»، ما يسمح بتحليل أعمق للتوترات المحلية دون اختزالها في مواقف أحادية. هذا التفريق يُستخدم في بعض برامج الرصد السياحي لفهم العلاقة بين المقيمين والجهات الفاعلة في القطاع، ومتى يكون الاعتراض موجها إلى سياسات التخطيط الحضري أو إلى أنماط الاستثمار، وليس إلى وجود الزوار في حد ذاته. كما تقترح تقارير أخرى أن استعمال مصطلح «السياحة المفرطة» نفسه يحمل شحنة رمزية تعيد تشكيل تمثلات الفاعلين لواقع التدفقات، خاصة عندما يرتبط بخطابات سياسية أو حملات إعلامية موسمية.
على صعيد السياسات العامة، تتجه بعض المؤسسات الأوروبية إلى إطلاق عمليات تشاور واسعة مع الحكومات المحلية والفاعلين الاقتصاديين حول كيفية تنظيم التدفقات السياحية بطريقة أكثر استدامة، مع استحضار اعتبارات السكن، والنقل، والانبعاثات الكربونية، وسلامة المواقع الثقافية والطبيعية. في هذا السياق، يجري الحديث عن أدوات مثل تقنين استخدام الحافلات السياحية في مراكز المدن، والتشجيع على توزيع الزوار عبر أقاليم أوسع، واعتماد أنظمة حجز إلكترونية تتيح معرفة مستويات الازدحام مسبقا وتوجيه الطلب نحو فترات أقل كثافة. كما تُطرح فكرة الاعتماد على مؤشرات مركبة، مثل «مؤشر السياحة المفرطة» الذي طوّرته بعض الوكالات الخاصة بالتعاون مع مكاتب دراسات، لقياس التعرض النسبي لكل بلد أو إقليم استنادا إلى عدد السياح لكل ساكن، وكثافة الزوار في الكيلومتر المربع، ونسبة مساهمة السياحة في الناتج المحلي، وتقلبات المواسم.
بالنسبة للمنصات الإعلامية التي تنتج مواد تفسيرية ورسوم معلوماتية حول ظاهرة السياحة المفرطة، تسمح هذه المعطيات بوضع خريطة عالمية للتدفقات السياحية الكثيفة، مع إبراز التفاوت الكبير بين دول تعتمد بدرجات مختلفة على العائدات السياحية وبين بلدان لا تزال في فئة التعرض المحدود. توضح مواد توعوية صادرة عن جهات مثل اليونسكو أن الهدف من هذا النوع من الإنتاج ليس الدعوة إلى وقف السفر، بل تشجيع أنماط زيارة أكثر توازنا، سواء عبر اختيار مواسم أقل ازدحاما، أو توسيع نطاق الوجهات إلى مناطق أقل ضغطا، أو تبني ممارسات يومية تقلل من الأثر البيئي والاجتماعي للزائر. كما تستثمر هذه الرسوم المعلوماتية الفرصة لتذكير القرّاء بأن جزءا كبيرا من الحركة السياحية يبقى داخليا داخل الحدود الوطنية، ما يعني أن إدارة التدفقات ليست قضية دولية فقط بل أيضا محلية وإقليمية.
المصدر : https://mrrakch.articlophile.net/mraksh/i/96891704...

أغرب العمليات السرية في تاريخ الحكومة الأميركية
