يرى المدير التنفيذي لـ«غوغل ديب مايند» ديميس هاسابيس أن التحدي الأكبر في التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا يكمن فقط في بناء النماذج والخوارزميات، بل في قدرة الإنسان على استيعاب طبيعة هذه التكنولوجيا الجديدة. فالعقل البشري يميل، بحكم تطوره عبر القرون، إلى تصور المستقبل وفق مسار متدرج ومتصاعد ببطء، حيث تتراكم التغيرات خطوة بعد أخرى في صورة سلسلة زمنية واضحة ومحدودة. أما الذكاء الاصطناعي الحديث فيتقدم وفق منحنى مختلف تماماً، يتسم بسرعة متزايدة قد تنتقل خلالها القدرات من مستوى إلى آخر في فترة زمنية وجيزة، الأمر الذي يخلق فجوة إدراكية بين ما اعتاده الإنسان وبين ما يحدث فعلياً في المختبرات والشركات التقنية. في هذا الخطاب، يلفت هاسابيس الانتباه إلى أن فهم هذه الفجوة يعد شرطاً أساسياً لأي نقاش جدي حول مستقبل هذه التكنولوجيا.
يستخدم هاسابيس، في أحاديثه العلنية، صورة «التكنولوجيا الأسية» لشرح هذا الفارق، إذ يوضح أن التطور التقني في مجال النماذج اللغوية وأنظمة التعلم العميق لا يسير على وتيرة واحدة، بل يتسارع مع توسع البيانات وارتفاع القدرة الحاسوبية وتكثيف جهود البحث العلمي. ما يعني أن ما يبدو اليوم مجرد تحسين تدريجي في أداء نموذج محادثة أو أداة توليد صور قد يتحول خلال سنوات قليلة إلى نقلة واسعة في القدرة على التحليل والاستنباط والربط بين المعطيات. هذا التسارع يجعل التوقعات المبنية على منطق «العام المقبل يشبه العام الحالي مع تحسين محدود» عاجزة عن التقاط طبيعة المرحلة المقبلة، وهو ما يدفع هاسابيس إلى التحذير من الاعتماد على الحدس البشري وحده في تقدير مسار الذكاء الاصطناعي، لأن هذا الحدس نفسه مشدود إلى أنماط تفكير أكثر بطئاً واستقراراً.
ضمن هذا المنظور، يشير هاسابيس إلى أن الصعوبة الأساسية تكمن في «استيعاب» ما يعنيه التقدم الأسي في الحياة العملية، سواء في الاقتصاد أو العلوم أو التنظيم الاجتماعي. فإذا كان الإنسان يملك قدرة جيدة على التعامل مع تغيرات تدريجية، فإن التغيرات السريعة والمتراكمة في زمن قصير قد تبدو مفاجِئة، بل أحياناً مزعزِعة، فقط لأنها تتجاوز قدرة الخيال اليومي على المتابعة. ويعزز هذا الطرح أن الكثير من التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تظهر دفعة واحدة، بل تبدأ في شكل أدوات مساعدة بسيطة، قبل أن تتحول إلى مكونات أساسية في أنظمة الإنتاج والمعرفة. حينها يجد الأفراد والمؤسسات أنفسهم أمام واقع جديد لم يتشكل عبر سلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة الواضحة، بل عبر مراحل متسارعة يصعب الإمساك بها في حينها.
إلى جانب هذا التشخيص المعرفي، يلفت هاسابيس إلى عنصر آخر يعتبره «الميزة الوحيدة» للبشر في هذه المرحلة، وهو أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت متاحة على نطاق واسع تقريباً للجميع. فالأفراد، سواء كانوا طلاباً أو مهنيين أو مستخدمين عاديين، باتوا قادرين على التفاعل يومياً مع أنظمة محادثة متقدمة وتطبيقات قادرة على توليد النصوص والصور والبرمجيات. هذه الممارسة اليومية تمنحهم، في رأيه، فرصة لاكتساب «ألفة» مع التكنولوجيا الجديدة؛ أي معرفة عملية بما يمكن لهذه الأنظمة أن تقدمه، وما تعجز عنه، وكيف تتصرف في مواقف محددة. هذه الألفة لا تلغي الفجوة بين التفكير الخطي والتطور الأسي، لكنها توفر للإنسان أدوات ملموسة لتقليصها، من خلال اختبار قدرات الذكاء الاصطناعي في مواقف متكررة، وتعلم كيفية صياغة الأسئلة والاستفادة من المخرجات.
هذه الألفة، كما يصفها هاسابيس، ليست مجرد عادة استعمال، بل شكل من أشكال الاستعداد المسبق للمرحلة المقبلة. فالإنسان الذي يتعامل يومياً مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ويختبر حدودها ويتابع تطورها، يصبح أكثر قدرة على استيعاب التحولات المقبلة عندما تنتقل هذه الأنظمة من مجرد أدوات مساعدة إلى مكوّن أساسي في البنية الاقتصادية والمعرفية. كما أن هذا الاحتكاك يساعد على تكوين حس نقدي جديد، يسمح للمستخدمين بتحديد الثغرات والأخطاء والتحيزات، الأمر الذي يفتح الباب أمام نقاش عام أكثر نضجاً حول شروط تطوير هذه التكنولوجيا وتنظيمها، بدلاً من حصرها في دوائر ضيقة من الخبراء والشركات الكبرى. بهذا المعنى، يشكل الانتشار الواسع لأدوات الذكاء الاصطناعي، في نظر هاسابيس، نوعاً من التدريب الجماعي غير المعلن على التعامل مع التحول المقبل.
من زاوية الصحافة والكتابة التحليلية، يقدم هذا الطرح إطاراً مفيداً لتناول موضوع الذكاء الاصطناعي بعيداً عن الخطاب المبالغ في التفاؤل أو التشاؤم. فالإشارة إلى التوتر بين عقل يفكر في خط مستقيم وتكنولوجيا تتقدم بمنحنى متسارع تتيح للصحفي أن يشرح للجمهور سبب شعوره بأن التغيرات التقنية «مفاجئة» أو «مربكة»، مع أنها في الواقع نتيجة تراكم طويل داخل المختبرات ومراكز البحث. كما تسمح فكرة «الألفة» بتناول ظاهرة انتشار الأدوات الذكية ليس فقط بوصفها موجة جديدة من التطبيقات، بل كعملية تعلّم جماعية تشارك فيها مجتمعات مختلفة، من المدارس والجامعات إلى غرف الأخبار والشركات. هذه الرؤية تساعد على صياغة أسئلة أكثر دقة حول المستقبل: كيف يمكن للمهنيين، ومن بينهم الصحفيون، استثمار هذه الألفة لتحسين عملهم؟ وكيف يمكن للمؤسسات التعليمية والإعلامية تحويل التفاعل اليومي مع الذكاء الاصطناعي إلى فرصة لتطوير مهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات؟
في هذا الإطار، يمكن قراءة موقف هاسابيس بوصفه دعوة إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي كظاهرة معرفية واجتماعية في آن واحد. من جهة، هناك حاجة إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يبني بها الإنسان توقعاته عن المستقبل، بحيث لا تبقى أسيرة الخطية التي شكلت جزءاً من تجربته التاريخية. ومن جهة أخرى، هناك فرصة لتوسيع قاعدة المشاركة في تشكيل مستقبل هذه التكنولوجيا، عبر تشجيع الاستخدام الواعي والمنظم لأدواتها، وتطوير آليات تنظيمية وأخلاقية تنطلق من تجربة ميدانية واسعة لا من تصورات نظرية فقط. بذلك يتحول التحدي المتمثل في استيعاب التقدم الأسي من عبء معرفي مجرد إلى مشروع عملي تشارك فيه مجتمعات واسعة، مستفيدة من انتشار الأدوات الجديدة لتحويل «الألفة» مع الذكاء الاصطناعي إلى قدرة على التعامل مع تحولات أعمق في بنية العمل والمعرفة والحياة اليومية.
المصدر : https://intelligences.articlophile.net/articles/i/...

ما هي معايير اختيار المرشد الصوفي الصادق؟
