دعم سويسرا للمبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء يمثل تطوراً سياسياً لافتاً يعمّق مسار ترجيح خيار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على حساب أطروحة الانفصال التي يتبناها البوليساريو وتحملها الدبلوماسية الجزائرية. هذا التحول يكتسب بعداً رمزياً متقدماً بالنظر إلى موقع سويسرا في المنظومة الدولية كدولة تقرن تقليدياً بين الحياد السياسي والالتزام بقواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان.
جاء الموقف السويسري في بيان مشترك عقب مباحثات في برن بين نائب رئيس الكونفدرالية ووزير الخارجية إينياتسيو كاسيس ونظيره المغربي ناصر بوريطة، حيث اعتبرت برن أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تشكل “الأساس الأكثر جدية ومصداقية وبراغماتية” لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء. كما رحبت سويسرا بقرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي يشير إلى أن حلاً على قاعدة حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يكون من أكثر المخرجات قابلية للتحقق، مع تأكيدها دعم الجهود التي يقودها الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي لإطلاق مفاوضات سياسية واقعية وقائمة على التوافق.
هذا التموضع ينسجم مع دينامية دولية آخذة في الاتساع منذ طرح المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007، والتي باتت تحظى بدعم معلن من عدد متزايد من الدول المؤثرة في أوروبا وأمريكا وأفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب دعم واضح من قوى كبرى تعتبر المقترح المغربي خياراً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع الممتد منذ منتصف السبعينيات. في هذا السياق، تأتي سويسرا لتلتحق بموجة مواقف أوروبية تعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أرضية تفاوضية مفضّلة، بعد مواقف دول مثل البرتغال ودول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي التي ثمنت المبادرة بعبارات قريبة من توصيف “الجديّة والمصداقية”.
البعد الرمزي في الخطوة السويسرية يتجاوز وزنها الجغرافي أو الديمغرافي، إذ إن برن تُقدَّم في الخطاب الدبلوماسي الدولي كمرجعية في الحياد الإيجابي واستضافة مسارات الوساطة متعددة الأطراف، فضلاً عن صورتها المرتبطة بثقافة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وعندما تختار دولة بهذه الخصائص وصف المبادرة المغربية بأنها الأكثر جدية وبراغماتية، فإن ذلك يمنح الطرح المغربي زخماً إضافياً في معركة الشرعية السياسية والقانونية، ويضعف روايات تسعى إلى تصوير هذا الخيار بوصفه خارجاً عن منطق الشرعية الدولية أو متعارضاً مع حق تقرير المصير.
من زاوية أخرى، يشكل هذا التطور إحراجاً واضحاً لجبهة البوليساريو وحليفها الإقليمي الأساسي الجزائر، اللذين يواصلان الدفع باتجاه قراءة أحادية لمفهوم تقرير المصير تتمثل حصراً في خيار الاستقلال. فإقرار دولة معروفة بتحفظها في تبني المواقف الصريحة لصالح أحد أطراف النزاعات، بأن نموذج الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار “الأكثر جدية” للحل، يحدّ من القدرة على الاستناد الحصري إلى خطاب قانوني يرفض أي تسوية وسط، ويعيد تأكيد موقع مجلس الأمن كمرجعية وحيدة لصياغة الخيارات المطروحة.
كما أن تماهي الموقف السويسري مع لغة قرارات مجلس الأمن الأخيرة، التي تشدد على الواقعية والتسوية التوافقية وعلى دور الأطراف الإقليمية المعنية، يعمّق العزلة الخطابية للطرح الذي يقدّم النزاع بوصفه مسألة تصفية استعمار على النمط الكلاسيكي، بعيداً عن التعقيدات الجيوسياسية الإقليمية وتشابك المصالح الأمنية في منطقة الساحل والصحراء. ويعني ذلك أن هامش المناورة أمام البوليساريو في الأروقة متعددة الأطراف يضيق تدريجياً مع ترسخ سردية تعتبر الحكم الذاتي الموسع في إطار السيادة المغربية مخرجاً مطابقاً لروح مبدأ تقرير المصير في صيغته التفاوضية المعاصرة.
في الخلفية، يندرج الموقف السويسري ضمن إعادة تشكيل أوسع لمشهد التحالفات المرتبطة بقضية الصحراء، حيث تزايدت خلال السنوات الأخيرة خريطة الدول التي افتتحت تمثيليات دبلوماسية في مدينتي العيون والداخلية، أو أعلنت صراحة دعمها للحكم الذاتي، ما يعكس انتقالاً تدريجياً من منطق “الحياد المعلن” إلى اصطفاف سياسي لصالح الطرح المغربي. في المقابل، تستمر بعض الدول ذات الإرث الأيديولوجي من حقبة الحرب الباردة في تبني خطاب داعم للبوليساريو، غير أن وزنها في موازين الشرعية الدولية يبقى محدوداً مقارنة بحجم الكتلة التي باتت تنظر إلى المبادرة المغربية باعتبارها المسار العملي المتاح أمام الفاعلين الإقليميين والدوليين.
وبينما تحرص برن على التأكيد أنها تساند دور الأمم المتحدة وتدفع نحو حل “سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف”، فإن اختيارها توصيف المبادرة المغربية بهذه الدرجة من الوضوح يضعها عملياً ضمن الفاعلين الذين يساهمون في إعادة صياغة سقف التفاوض المحتمل خلال أي جولة مقبلة تراهن عليها الأمم المتحدة. وبذلك يكتسب النزاع بعداً جديداً تتحول فيه قوة الرمزية المرتبطة بمواقف دول محايدة وذات سمعة حقوقية إلى عنصر حاسم في ترجيح كفة مقاربة معينة على حساب أخرى في معركة ممتدة حول الشرعية والمعنى والتأويل في قضية الصحراء.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/bulletin/i/96292451/soysra...

الأخت لورديس تستذكر لقاء البابا بمنزل الشهادة
