صدر في السادس عشر من أبريل 2026 عن دار لو شيرش ميدي الباريسية كتاب يطرح جملةً من الأسئلة الجوهرية حول المسار الذي قطعه المغرب منذ استقلاله حتى اليوم. يقع الكتاب في نحو 600 صفحة، وحمل عنواناً مكثفاً: "المغرب، رهان القوة"، وهو من تأليف عبد المالك العلوي، الاقتصادي المغربي ورئيس المعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي، الذي يعدّ من بين الأصوات التحليلية المغربية القليلة المنتشرة على منابر دولية كبرى.
ينطلق العلوي في عمله من نقطة بداية صارمة: المغرب الذي استقل عام 1955 لم يكن يمتلك سوى 1395 حاملاً لشهادة الباكالوريا في مواجهة أحد عشر مليون مواطن، مما اضطر البلاد إلى الدخول في مرحلة يصفها المؤلف بـ"الارتجال الخلّاق"، حيث تولّى أطباء مناصب قيادية وظلّ حساب الناتج المحلي الإجمالي رهيناً بمساعدة تقنية أجنبية حتى عام 1978. من هذه النقطة البدائية يسرد العلوي كيف بنى المغرب دولته العصرية عبر مراحل متعاقبة: سنوات التوطيد، وحقبة التردد، ثم الانخراط التدريجي في الاقتصاد المعولم، وصولاً إلى مرحلة التسارع الصناعي في عهد الملك محمد السادس.
ويتمحور الكتاب حول فكرة محورية يرددها المؤلف في أكثر من موضع: أن القوة المغربية ليست موروثة ولا طبيعية، بل هي نتاج قدرة المملكة على تحويل قيودها إلى رافعات. فغياب النفط وندرة المياه لم يكونا عبئاً فحسب، بل كانا دافعاً للاستثمار المبكر في السدود وتنويع مصادر الطاقة. وعلى الصعيد اللوجستي، يرى العلوي أن ميناء طنجة المتوسط يجسّد هذه المعادلة بامتياز، إذ حوّل المغرب موقعه الجغرافي البيني بين أوروبا وأفريقيا من هشاشة إلى رصيد استراتيجي.
ويخصص العلوي حيزاً واسعاً للحديث عن طبيعة الحضور المغربي في أفريقيا جنوب الصحراء، رافضاً المقاربات التي تصفه بالنفوذ الهيمني. بالنسبة إليه، لم يسعَ المغرب يوماً إلى السيطرة على قارته، بل إلى "استعادة الصلة بها" عبر نموذج شراكة يستحضر فيه روح ليوبولد سيدار سنغور وفلسفة "مجتمع العطاء والأخذ". ويستند في ذلك إلى الانخراط المغربي الفاعل في مجال الطاقة والبنية التحتية والتكوين المهني عبر بلدان أفريقية عديدة.
أما على الصعيد السياسي الداخلي، فيستعير المؤلف صورة بليغة حين يشبّه الملكية المغربية بـ"عارضة السفينة"، أي العمود الهيكلي الذي يمنحها التوازن ويصرف عنها العواصف، مما أتاح لها استيعاب تحولات دراماتيكية كصعود الإسلاميين إلى الحكم دون أن تهتز البنية الكلية للدولة. ويربط هذه الاستقرارية بما يصفه بـ"الخوف من السيبة"، أي الذاكرة التاريخية العميقة من حالات الفوضى والانفلات، وهو خوف متجذر في الوعي الجمعي المغربي ويفسّر ميله نحو التوافق. وفي السياق الدولي، يرى أن المغرب اختار بوعي سياسة التعددية القطبية، إذ لا ينحاز لمعسكر بعينه بل يرتب علاقاته وفق معيار المصلحة الوطنية، وهو ما يجعله في رأي المؤلف وسيطاً موثوقاً بمقدوره التحدث إلى الجميع في عالم منقسم.
غير أن الكتاب لا يخلو من نبرة تحذيرية صريحة. فالعلوي لا يتردد في الإشارة إلى مخاطر ما يسميه "الانفصام الداخلي"، أي الهوة المتسعة بين مغرب البنية التحتية البراقة ومغرب المواطن اليومي البعيد عن ثمار النمو. ويرى أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة على صعيد إعادة توزيع الثروة والفرص، لا سيما أن جيلاً من الشباب ينتظر بفارغ الصبر أن تتحول الاستثمارات العملاقة إلى مكاسب ملموسة في حياته اليومية. ويختم العلوي بالإشارة إلى الاسم العربي للبلاد، المغرب، بوصفه دلالة رمزية على انفتاح المملكة نحو المحيط الأطلسي وأفريقيا، في مسار يجعل من التساؤل عن مستقبل قوتها سؤالاً مفتوحاً لا إجابة مقفلة.
المصدر : https://www.alkhabar.ma/cultures/i/96293571/almghr...

الأخت لورديس تستذكر لقاء البابا بمنزل الشهادة
