في ربيع 1965 تلقّت النحّاتة الألمانية الأميركية إيفا هِسّه رسالة مطوّلة من صديقها الفنان الأميركي سول ليفيت، تحوّلت مع مرور الزمن إلى أحد أكثر النصوص تداولاً في الأدبيات المعاصرة حول الإبداع، الشك الذاتي والانسداد الفني. ولدت هذه الرسالة في لحظة هشّة من مسار هِسّه التي انتقلت مع زوجها من نيويورك إلى ألمانيا، حيث بدأت تعاني شعوراً بالانقطاع عن الوسط الفني الذي تشكّل فيه وبتصاعد القلق حيال قيمة أعمالها وحدود موهبتها. في هذا السياق جاءت كلمات ليفيت كنوع من البيان الشخصي غير المعلن، يرسم فيه ملامح موقف صارم من العمل الفني ومن علاقة الفنان بنفسه وبمحيطه.
تنطلق المقالة المنشورة في موقع The Marginalian من التعريف بمسار ليفيت نفسه، أحد أبرز الأسماء في الفن المفاهيمي الأميركي، وتربط بين هذه الخلفية النظرية وطبيعة الرسالة التي كتبها لصديقته. يظهر ليفيت في النص بصفته فناناً يرفض فكرة الإلهام الرومانسي بوصفه لحظة استثنائية، ويميل عوضاً عن ذلك إلى تصور العمل الفني كفعل متكرّر، منظّم ومتحرّر في آن واحد من هواجس النجاح والفشل. يستعيد المقال أن ليفيت كان قد تعرّف إلى هِسّه مطلع الستينيات، وأن صداقة متينة نشأت بينهما وسط أجواء التحوّل الجذري في المشهد الفني الأميركي، حيث راحت التجارب ما بعد الحداثية تزعزع الحد الفاصل بين الفنون البصرية، الكتابة، التصميم والعمارة.
يقدّم ليفيت في رسالته ما يشبه مواجهة مباشرة مع حالة الشك التي عبّرت عنها هِسّه في مراسلات سابقة، فيدعوها إلى التخلّي عن مراقبة الذات، الكف عن اجترار الأسئلة النظرية الثقيلة والانخراط في الفعل اليومي للعمل، أي ما يلخّصه بكلمة واحدة متكرّرة في الرسالة هي “افعل” أو “اعملي”. يصرّ الكاتب على أن التفكير المتواصل في الهدف، في معنى المسار الفني أو في توقّعات الآخرين، يتحوّل تدريجياً إلى عائق أمام التجربة المادية نفسها، سواء كانت رسماً أو نحتاً أو تركيباً. وتستعيد المقالة مقاطع كاملة من الرسالة حيث يطالب ليفيت صديقته بأن تسمح لنفسها بإنتاج “أعمال سيئة” إن اقتضى الأمر، على اعتبار أن التعلّق المستمر بفكرة الجودة الفورية يقتل الإمكانات الكامنة في المحاولة والخطأ.
تبرز في النص فكرة مركزية مفادها أن على الفنان أن يتحرّر من “مسؤولية” إصلاح العالم أو تمثيله تمثيلاً أميناً، وأن يحصر التزامه في العمل نفسه، في التجريب والإنجاز اليومي. هنا ينقل المقال قراءة لرسالة ليفيت باعتبارها أقرب ما يكون إلى وثيقة نادرة يعبّر فيها هذا الفنان، المعروف باقتصاده في الكلام النظري، عن “عقيدته” الخاصة في الفن والعمل. فالرسالة لا تقترح برنامجاً جمالياً بالمعنى التقليدي، بقدر ما تدعو إلى موقف وجودي يقوم على الجرأة، القبول بالهشاشة، وإعطاء الأولوية للانخراط العملي على حساب المسبقات النظرية. ويربط المقال بين هذا الموقف وبعض العناصر في الفلسفة البوذية، وبالتحديد مفهوم “الفراغ” بوصفه مساحة تسمح بانبثاق الحكمة حين يتراجع تضخّم الأنا والتمسّك بالصور الذهنية المسبقة.
إلى جانب تحليل مضمون الرسالة، يقدّم المقال إشارات سياقية إلى موقع هِسّه في حركة ما بعد الحدّ الأدنى (Postminimalism)، حيث عُرفت بأعمال نحتية تعتمد موادّ صناعية مرنة، كالألياف الزجاجية واللاتكس، وبمقاربات تجمع بين الحسّ الجسدي، الهشاشة المادية والصرامة التركيبية. يربط الكاتب بين الطابع التجريبي الذي اندفعت نحوه هِسّه في أواخر الستينيات وبين هذا النوع من التشجيع الذي تلقّته من ليفيت في منتصف العقد، من دون الذهاب إلى حدّ اختزال مسارها الفني في هذه الرسالة الواحدة. كما يحيل النص إلى إدراج هذه المراسلة في كتاب “Letters of Note” الذي جمع رسائل تاريخية ذات طابع إنساني وفكري، وهو ما ساهم في توسيع دائرة انتشارها خارج الأوساط المتخصّصة بالفن المعاصر.
تستثمر المقالة أيضاً الشهرة التي حظيت بها جملة محدّدة من الرسالة، تحوّلت مع الوقت إلى مقطع يُستعاد كثيراً في كتب التنمية الإبداعية والمدوّنات الشخصية، حيث يطلق ليفيت سلسلة من الأفعال التي تحث على التوقّف عن جلد الذات والانهماك في العمل. غير أن النص الذي يقدّمه الموقع يحرص على إعادة هذه الجملة إلى سياقها التاريخي والشخصي، باعتبارها جزءاً من خطاب أكثر تعقيداً يتناول علاقة الفنانة بطريقة تفكيرها، ببيئتها وبالتحوّلات التي عاشتها بعد انتقالها الجغرافي من نيويورك إلى ألمانيا. وفي هذا الإطار، يلفت المقال إلى أن الرسالة لا تكتفي بلغة الحماسة، بل تقبل أيضاً باحتمال أن تتوقّف هِسّه عن العمل إن رأت في ذلك نوعاً من الحماية لنفسها، مع التأكيد في الوقت ذاته على قناعة الكاتب بأن الفن متجذّر في شخصيتها إلى درجة تجعل التوقّف شبه مستحيل.
يقدّم نص The Marginalian هذه الرسالة بوصفها وثيقة تتجاوز خاصّيتها الفنية لتلامس أسئلة أوسع حول الكتابة، الإبداع والعمل الثقافي عموماً، ولذلك يحضر في المقال ربط بينها وبين نصائح مشابهة في رسائل كتّاب آخرين مثل إرنست همنغواي أو إدوارد ب. وايت، سبق للموقع أن تناولها. بهذه المقارنات يضع الكاتب رسالة ليفيت في تقليد أوسع من “رسائل النصح” بين الكتّاب والفنانين، حيث تتحوّل المراسلات الخاصة إلى مختبر لأفكار تتعلّق بالانضباط، الخوف من الفشل ومعنى الاستمرار في العمل في مواجهة الشك. وفي خلفية هذه القراءة، يلمّح المقال إلى أن نص الرسالة يكتسب راهنية جديدة في عصر الخوارزميات، الضغوط الرقمية، والثقافة التي تقيس القيمة بعدد المشاهدات والتفاعلات، حيث يعود التشديد على الفعل اليومي، المتواضع والمستقل عن هذه المقاييس، كخيار واعٍ للفنان المعاصر.
يظهر هذا النص كجزء من مشروع أوسع للموقع يهدف إلى إعادة قراءة الأرشيف الشخصي للفنانين والكتّاب، من رسائل ومذكّرات، باعتباره مادة أساسية لفهم البنى الذهنية التي تحكم إنتاجهم. رسالة ليفيت إلى هِسّه، كما يعرضها المقال، لا تُقرأ فقط كوثيقة تعاطف بين صديقين داخل مشهد فني معيّن في منتصف الستينيات، بل كخطاب يتوجّه، بشكل غير مباشر، إلى كل من يواجه شكاً مزمناً في جدوى ما يكتب أو يرسم أو ينجز. ولعلّ السبب في استمرار تداولها واسعاً يعود إلى هذا البعد العام، الذي يتيح للقارئ، سواء كان فناناً بصرياً، كاتباً أو صحافياً رقمياً، أن يرى في جملة “افعَل” المتكرّرة فيها دعوة إلى الاستمرار في العمل، رغم كل ما يرافقه من تردّد وخوف.
المصدر : https://www.articlophile.com/articles/i/96820255/-...

هبة بدو في مراكش: موجات خفية تجمع بين الفن والتأمل الروحي
