في مساء 24 غشت 2026، وخلال الحفل الديني الذي أحياه الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، استعرض وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق أمام العاهل المغربي سلسلة الأعمال المغربية الكبرى المكرّسة لحب النبي ﷺ. فمن القاضي عياض وأبي العباس العزفي، وهما عالمان من مدينة سبتة، إلى الإمام محمد بن سليمان الجزولي صاحب "دلائل الخيرات"، رسم الوزير خيط استمرارية بين الموروث الديني والذاكرة الوطنية. ووصف "الدلائل" بأنه كان "شعاراً" للمغاربة في تكوينهم وتعبئتهم من أجل تحرير المدن المحتلة على الواجهة الأطلسية في مطلع العصر الحديث.
هذه الصيغة، رغم قوتها الرمزية، تستدعي تناولاً حذراً؛ إذ تربط بين نص ديني يناهز عمره ستة قرون ومفهوم "تحرير المدن المحتلة" الذي يحيل، في القاموس السياسي المغربي المعاصر، غالباً إلى حقبة مختلفة تماماً: إنهاء الاستعمار الإسباني في القرن العشرين، من طرفاية إلى المسيرة الخضراء. ولفهم هذا التداخل، لا بد من العودة إلى الحقبتين التاريخيتين اللتين قد تحيل إليهما العبارة: الاحتلال البرتغالي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والاحتلال الإسباني لجنوب المغرب في القرن العشرين، قبل النظر فيما يكشفه الجمع بينهما عن الخطاب الديني المغربي المعاصر. فالإمام الجزولي توفي سنة 1465، أي قبل نحو عقدين من تثبيت البرتغال لأهم قلاعه على الساحل المغربي، وقبل عدة أجيال من مشاركة ورثته الروحيين، بدرجات متفاوتة، في استرجاع المدن على يد السعديين. لذلك، يقتضي أي تناول رصين التمييز في كل خطوة بين الواقعة الثابتة والفرضية المرجّحة والقراءة التحليلية الخاصة.
المحور الأول: الكتاب والبرتغال (القرنان الخامس عشر والسادس عشر)
وُلد أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي بكر الجزولي السملالي نحو سنة 1404 بمنطقة سوس، من قبيلة سملالة. ولا ينبغي الخلط بينه وبين أبي حامد الغزالي (1058-1111)، إذ يفصل بين الرجلين أكثر من ثلاثة قرون، رغم تشابه الاسمين الذي كثيراً ما يوقع في الخلط، حتى في بعض الكتابات التبسيطية. تلقى تكوينه بفاس، أحد أكبر المراكز الفكرية في المغرب الوسيط، حيث درس ثم اعتكف بمدرسة الصفارين. ومرّ هناك، وفق ما تنقله المصادر السيرية، ومنها ما أورده الشيخ يوسف النبهاني، بمرحلة تعبد عميق تمحورت حول الصلاة على النبي ﷺ، قبل أن يلتحق بشيخه أبي عبد الله محمد أمغار الصغير بتيط قرب الجديدة، حيث أمضى نحو أربع عشرة سنة في خلوة روحية. ثم أدى فريضة الحج إلى مكة والمدينة، واستقر فترة بآسفي، قبل أن يعود إلى منطقته الأصلية. توفي نحو سنة 870 هـ الموافقة لسنة 1465م، وتذكر عدة مصادر تاريخية أنه توفي مسموماً.
ترك الجزولي خلفه سلسلة من المريدين انتشروا في ربوع المغرب، من بينهم عبد العزيز التباع أحد رجالات السبعة رجال بمراكش، إضافة إلى شيوخ استقروا بفاس ومراكش وزرهون وسلا وتادلة. وهذه السلسلة، المعروفة بـ"الجزولية"، هي التي حملت أثره إلى ما هو أبعد بكثير من حياته، وهي نقطة تستحق التوقف عندها لأنها تحدد أي قراءة دقيقة للدور التاريخي المنسوب لـ"دلائل الخيرات". عاش الجزولي في مغرب يشهد إعادة تشكل: الدولة المرينية في تراجع، تنخرها الصراعات الداخلية وصعود الوطاسيين. سقطت سبتة في يد البرتغال سنة 1415، وكان عمر الجزولي آنذاك أحد عشر عاماً، وتتالت الغارات الإيبيرية على الساحل. غير أن جُلّ التوسع البرتغالي على الواجهة الأطلسية، في آسفي وأزمور والجديدة (مازغان) وأكادير، تحقق بين 1481 و1519، أي بعد وفاة الجزولي، وهو ما يحمل دلالة منهجية مهمة سنعود إليها.
العنوان الكامل للكتاب، "دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ"، يضع المؤلَّف منذ البداية ضمن تقليد الصلاة على النبي ﷺ. فهو ليس كتاباً سياسياً ولا بياناً ولا دليلاً عسكرياً، بل مجموع منظّم من صيغ الصلاة على النبي ﷺ، مبني على إيقاع أسبوعي للتلاوة. يفتتح النص بمقدمة عقدية تؤكد التنزيه الإلهي، تليها أسماء الله الحسنى التسعة والتسعون، ثم فصل يضم نحو ثلاثين حديثاً في فضل الصلاة على النبي ﷺ. يلي ذلك إحصاء لمئتين وواحد من الأسماء والصفات النبوية، ووصف لروضة المدينة المنورة، ثم دعاء افتتاحي، ثم المتن الأساسي: أكثر من أربعمائة صلاة موزعة على ثمانية أحزاب، صُمّمت للتلاوة على مدار أسبوع كامل من الاثنين إلى الاثنين التالي، مع إمكانية تقسيم كل حزب إلى أرباع أو أثلاث حسب وتيرة القارئ.
هذا البناء ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو ما يفسر استمرارية الكتاب عبر الزمن: فالنص الذي يُقرأ مرة واحدة يظل مجرد أثر أدبي، أما النص الذي يُتلى أسبوعياً على مدى عقود وأجيال متعاقبة فيتحول إلى ممارسة حية. وهذه الممارسة الجماعية والمتكررة، أكثر من المضمون العقدي للنص، هي ما يفسر كيف اكتسب مجموع من الأدعية، في ظروف تاريخية معينة، بعداً يتجاوز التعبد الفردي.
ينبغي التمييز بوضوح بين موضوعين كثيراً ما يخلط بينهما الخطاب التبسيطي: الكتاب من جهة، والشبكة التي حملته من جهة أخرى. فـ"دلائل الخيرات" نص، أما "الجزولية" فهي واقع اجتماعي: مجموع من الزوايا والشيوخ والمريدين، منتشرين في المدن والبوادي، تربط بينهم سلاسل التلقين الروحي. والزاوية في مغرب تلك الحقبة لم تكن مجرد مكان للعبادة، بل فضاء للتعليم والاستقبال، وحلقة وصل بين السلطة المركزية والمجتمعات المحلية، وأحياناً مجالاً للفصل في النزاعات. هذه البنية هي ما يفسر انتشار "الدلائل" إلى ما هو أبعد بكثير من دائرة تلاميذ الجزولي المباشرين، إذ تبنّته زوايا وطرق أخرى، حتى أصبح تراثاً تعبدياً مشتركاً بين مسلمي المغرب الكبير، ثم غرب إفريقيا، ثم العالم الإسلامي عموماً.
وتذكر مصادر متعددة، وإن لم تكن أكاديمية بالمعنى الدقيق، أن رفات الجزولي نُقل إلى مراكش سنة 1523 بطلب من أبي عبد الله القائم، مؤسس الدولة السعدية، وأن الموقع صار مزاراً، إذ عُدّ الجزولي أحد السبعة رجال بمراكش. وهذه الرواية، إن صحّت بهذا التفصيل الدقيق، تعكس اعترافاً سلالياً صريحاً بالسلسلة الجزولية بعد نحو ستة عقود من وفاة الجزولي، غير أنها تستحق مزيداً من التحقق عبر العودة المباشرة إلى المصادر التاريخية المغربية قبل اعتمادها كأمر ثابت تماماً.
تدرّج الاحتلال البرتغالي للساحل المغربي على مراحل: سبتة سنة 1415، فالقصر الصغير سنة 1458، فأصيلا وطنجة سنة 1471. ثم، بين 1481 و1519، امتد النفوذ البرتغالي إلى الواجهة الأطلسية: آسفي وأزمور والجديدة (مازغان) وأنفا (الدار البيضاء حالياً) والصويرة وأكادير، حيث تأسست قلعة سانتا كروز سنة 1505، بينما لم تعرف المعمورة سوى احتلال عابر. وترافق هذا الضغط، في المقابل، مع تراجع السلطة المرينية ثم الوطاسية. ويشدد المؤرخون المعاصرون، وخصوصاً أعمال مرسيدس غارسيا-أرينال، على أن تفكك السلطة المركزية أفسح المجال لديناميات تنسيق محلي حول شخصيات وشبكات دينية، وهي ظاهرة أعقد من مجرد "وحدة مقدسة" في مواجهة الغزو.
ويمثّل عامَا 1515 و1516 منعطفاً مهماً: ففي 1515 هُزمت حملة برتغالية عند المعمورة، وفي 1516 توفي نونو فرنانديز دي أتايدي، قائد آسفي وأحد أعمدة الإدارة البرتغالية بالمنطقة، وتوفي بعده نظيره المغربي في المفاوضات يحيى أوتعفوفت سنة 1518. وفي هذا الفراغ بدأت الدولة السعدية، التي كانت لتوّها قد استقرت في سوس، تفرض نفسها كقوة تجميع.
هناك نقطة يجب حسمها بوضوح لأنها تحدد مدى دقة هذا التحليل بأكمله: "دلائل الخيرات" ليس دليلاً للتعبئة العسكرية، ومؤلفه لم يقد شخصياً أي حملة مسلحة ضد البرتغال. بعض المصادر التبسيطية المغربية تذهب إلى أن الجزولي تزعّم الجهاد ضد الوجود البرتغالي منذ سنة 1440، بل تصف زاويته بـ"ميليشيا رهبانية معادية للمسيحية"، في عبارة تُنسب إلى المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون. وهذه القراءة تطرح إشكالاً زمنياً يصعب تجاهله: فالجزولي توفي سنة 1465، أي قبل ست عشرة سنة من بداية الموجة الرئيسية للتوسع البرتغالي (1481-1519)، وقبل نحو نصف قرن من إطلاق السعديين حملاتهم الفعلية لاسترجاع المدن (1516-1550).
والصياغة الأدق هي أن الجزولي لم يقد المقاومة ضد أهم الاحتلالات البرتغالية، لسبب بسيط هو أنه لم يعاصر الفترة التي تركزت فيها هذه الاحتلالات على الواجهة الأطلسية. في المقابل، فإن "الجزولية"، أي الشبكة التي أسسها والتي بقيت بعد وفاته، ارتبطت، بعد جيل إلى أربعة أجيال، بديناميات المقاومة والشرعنة التي رافقت صعود السعديين. وهكذا لم يكن الكتاب سبباً مباشراً، بل مرجعاً مشتركاً.
قدّمت المؤرخة مرسيدس غارسيا-أرينال (المركز الإسباني للأبحاث العلمية، مدريد)، في مقالين مرجعيين نُشرا سنتي 1990 و1991، قراءة أعادت تشكيل أغلب الأبحاث الأكاديمية حول الموضوع. وتفنّد أطروحتها المركزية القراءة القديمة، الموروثة جزئياً عن الكتابة التاريخية الاستعمارية الفرنسية، التي قدّمت وصول الأشراف السعديين إلى الحكم بوصفه مجرد رد فعل وطني على احتلال الثغور. وتُظهر غارسيا-أرينال أن هذا التفسير، رغم جاذبيته، يخفي ديناميات أعمق، وهي ما تسميه "الأزمة المرابطية" بالمعنى الروحي، أي صعود شخصيات وسلالات دينية، في سياق فراغ سياسي، تدّعي الولاية والشرف النبوي، وقادرة على تأسيس شرعية حكم جديدة. وهذا الإطار يؤكد وجود صلة حقيقية بين سياق الاحتلال الإيبيري وصعود الشبكات الدينية المغربية، دون أن يجعل منها علاقة سببية بسيطة وأحادية. ويندرج "دلائل الخيرات" ضمن هذه الحركية الأوسع لبناء سلطة دينية مغربية، لا بوصفه سبباً لها، بل بوصفه أحد أبرز تجلياتها الباقية.
سلك الاسترجاع السعدي مساراً محدداً: سنة 1524 استولى السعديون على مراكش. وفي 1527 قسّمت معاهدة تادلة السلطة بين الجنوب ومراكش للسعديين، والشمال وفاس للوطاسيين. ومنذ 1516 كان السعديون قد قطعوا الطرق الرابطة بين أكادير وامتدادها الداخلي؛ وفشلت محاولة حصار أولى سنة 1525، قبل أن يصطدم هجوم جديد سنة 1531، بقيادة محمد الشيخ والي سوس، بتعزيزات قادمة من ماديرا. وفي 12 مارس 1541 سقطت قلعة سانتا كروز بعد ستة وثلاثين عاماً من الاحتلال البرتغالي، لتنطلق موجة انهيارات متتالية: إخلاء أزمور في أكتوبر 1541، فآسفي بعدها بقليل. وفي 1549-1550 استولى السعديون على فاس وأنهوا الدولة الوطاسية، وفي السنة نفسها تخلى البرتغاليون عن القصر الصغير وأصيلا. وبنهاية هذا المسار، لم يبق للإيبيريين على الواجهة الأطلسية والمضيق سوى طنجة وسبتة والجديدة، التي لم تُستَرجَع إلا سنة 1769. وأُغلق هذا الفصل رمزياً سنة 1578 في معركة وادي المخازن، حيث هزم السلطان السعدي عبد الملك جيش الملك البرتغالي سيباستيان الأول.
وهذه السلسلة من الأحداث، لا الفعل الشخصي للجزولي، هي ما تحيل إليه مباشرة، وفق القراءة الكلاسيكية، عبارة الوزير عن تحرير المدن المحتلة على الواجهة الأطلسية في مطلع العصر الحديث. وقد تباينت الصحافة المغربية التي غطّت خطاب 24 أغسطس 2026 في صياغة الفقرة المخصصة لـ"دلائل الخيرات"، وإن اتفقت في جوهرها، وهو ما يحول دون اعتماد نص حرفي مؤكد في هذه المرحلة؛ فبحسب المصادر المتوفرة، قُدّم الكتاب إما كشعار روحي وعاطفي للمغاربة، أو كمرتبط بتعبئتهم من أجل تحرير المدن الواقعة تحت الاحتلال الإيبيري، وهذه الصيغة الثانية تُقدَّم من طرف الصحافة نفسها كإعادة صياغة لمعنى كلام الوزير، لا كنقل حرفي عنه. وإذا قُرئت العبارة وفق التأريخ الكلاسيكي، حيث يُقصد بـ"مطلع العصر الحديث" في الاستعمال العربي الشائع منعطف القرنين الخامس عشر والسادس عشر، فإنها تحيل منطقياً إلى الحقبة البرتغالية المفصّلة أعلاه، ويبقى التحقق من مصدر أولي ضرورياً قبل أي استشهاد لاحق بالعبارة.
المحور الثاني: الكتاب الحي، ستة قرون من التناقل
لم يبق "دلائل الخيرات" حبيس منطقة نشأته، بل انتشر عبر القرون في كامل المغرب الكبير، وفي غرب إفريقيا، بالسنغال ومالي والنيجر ونيجيريا وغينيا، وفي المشرق وتركيا والقوقاز وجنوب آسيا وجنوب شرقها. وتُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية والتركية والأوردية والإندونيسية، إضافة إلى عدة لغات إفريقية. ويُعدّ السلطان العثماني عبد الحميد الثاني من بين آخر الحكام الذين موّلوا نسخ الكتاب ونشره. وهذا الانتشار القديم يستحق أن يُربط، دون أن يُختزل فيه، بعلاقات المملكة المعاصرة مع غرب إفريقيا والساحل، فقد سار "الدلائل" جنوباً عبر طرق الصحراء الكبرى قبل زمن طويل من أن تتبلور فكرة الدبلوماسية الدينية كأداة نفوذ. وهذا السبق يشكل رصيداً تاريخياً حقيقياً، دون أن يرقى إلى استراتيجية مدبّرة مُتصوَّرة في القرن الخامس عشر. ويبقى "دلائل الخيرات"، بعد قرابة ستة قرون من تأليفه، نصاً يُمارَس لا يُحفَظ فحسب؛ إذ ما زال يُتلى وفق دورته الأسبوعية المكونة من ثمانية أحزاب، في الزوايا والمساجد والبيوت، فرادى وجماعات. وهذا الاستمرار هو ما يميزه عن مجرد أثر تراثي: فالمخطوط المحفوظ في مكتبة ينتمي إلى الماضي، أما النص الذي يُتلى كل أسبوع فينتمي إلى الحاضر، وهذه الحيوية هي ما يتيح لوزير في الحكومة المغربية أن يستحضره سنة 2026 كذاكرة حية.
المحور الثالث: المغرب في مواجهة إسبانيا الاستعمارية (القرن العشرين)
أقرت معاهدة فاس، الموقعة في 30 مارس 1912، الحماية الفرنسية على أغلب التراب المغربي، بينما حصلت إسبانيا على منطقة نفوذ في الشمال، إضافة إلى أقاليم في الجنوب، هي طرفاية وسيدي إفني وما سيصبح الصحراء الغربية المغربية، وعاصمتاها فيلا سيسنيروس (الداخلة حالياً، تأسست 1884) ثم العيون (تأسست 1938). ويمثل عودة محمد الخامس من المنفى، في 16 نونبر 1955، بداية المرحلة الفعلية لاسترجاع السيادة المغربية، وهي مرحلة امتدت، بالنسبة للأقاليم الجنوبية، حتى سنة 1975، وتظل، فيما يخص ملف الصحراء المغربية بالمعنى الدقيق، ورشاً دبلوماسياً نشطاً إلى اليوم.
بين 20 و23 نونبر 1956 نفّذ جيش التحرير المغربي أولى عملياته في جنوب المملكة. وفي 23 نونبر 1957 انتفضت قبائل آيت باعمران ضد الإدارة الاستعمارية الإسبانية حول سيدي إفني، محاصِرةً القوات الإسبانية بإمكانات محدودة لكن بعزيمة كافية لدفع مدريد إلى طلب دعم قوات فرنسية. وفي 25 فبراير 1958، ألقى محمد الخامس بمحاميد الغزلان خطاباً أمام ممثلي القبائل الصحراوية، ظل في الذاكرة الرسمية أحد الأسس المؤسِّسة لمسار استكمال الوحدة الترابية. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التعبئة الشعبية، وإن كانت علمانية تماماً في أدواتها، اندرجت في إطار تظل فيه شرعية العرش، المستندة إلى البيعة والنسب الشريف، عاملاً موحِّداً؛ وهي بنية متكررة أكثر منها علاقة سببية مباشرة بالسلسلة السعدية في القرن السادس عشر.
نص اتفاق سيدرا، الموقع في فاتح أبريل 1958، على تنازل إسبانيا عن شريط طرفاية، وتحققت العودة الفعلية للمدينة في 15 أبريل 1958. أما سيدي إفني فبقيت تحت السيادة الإسبانية أحد عشر عاماً إضافياً، ولم تُسترجَع إلا في 30 يونيو 1969، بعد مسار مطلبي دبلوماسي طويل أعاد الحسن الثاني إحياءه خلال محطة بمدريد سنة 1963، وتحت إشراف لجنة الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار. وزارها الحسن الثاني رسمياً في 18 يونيو 1972. وتُقدَّم استعادة سيدي إفني، في الذاكرة الرسمية المغربية، كمقدمة لحركة أوسع، تُوّجت في 6 نونبر 1975 بالمسيرة الخضراء: إذ توافد مئات الآلاف من المتطوعين المغاربة سلمياً نحو الصحراء الغربية المغربية، الخاضعة آنذاك للإدارة الإسبانية. وأفضى هذا الحدث إلى اتفاقيات مدريد، وفتح مسار استرجاع الأقاليم الجنوبية: العيون والداخلة وسمارة وبوجدور، وهو ملف يبقى، بعد خمسين عاماً، نشطاً دبلوماسياً رغم أن السيادة المغربية تُمارَس عليه بشكل كامل. وفي 31 أكتوبر 2025، تبنّى مجلس الأمن الدولي القرار 2797، الذي شكّل منعطفاً دبلوماسياً مهماً لصالح الموقف المغربي بخصوص الصحراء المغربية، وهو سياق يضيء الحمولة السياسية الخاصة التي يكتسيها، سنة 2026، أي خطاب رسمي مغربي يتحدث عن تحرير المدن المحتلة على الواجهة الأطلسية.
المحور الرابع: لماذا الربط بين هاتين الحقبتين اليوم
لا يمكن قراءة الفقرة المخصصة لـ"دلائل الخيرات" بمعزل عن الفقرة التي سبقتها مباشرة، والمخصصة للقاضي عياض وأسرة العزفي، وهما عالمان من مدينة سبتة. فالفقرتان تنتميان إلى بناء خطابي واحد: تعبئة موروث ديني وعلمي لربط إقليم أو ساحل بالجغرافيا الحضارية المغربية، دون صياغة مطلب ترابي صريح أو فعل دبلوماسي مباشر.
وتقترح بعض القراءات التحليلية، ومنها قراءة معهد الجيوبوليتيك هورايزونز، تأويلاً يتجاوز المضمون الحرفي للخطاب الوزاري: فرضية خيط رمزي يربط، في الذاكرة الدينية المغربية، بين حقبتين متمايزتين من المقاومة لاحتلال إيبيري للواجهة الأطلسية، هما برتغال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وإسبانيا الاستعمارية في القرن العشرين. غير أن هذه القراءة تبقى، بحسب واضعيها أنفسهم، فرضية تحليلية بمستوى ثقة منخفض إلى متوسط، لا واقعة ثابتة ولا تصريحاً صريحاً من الوزير: فلا مصدر يُثبت أن الوزير قصد مدن الجنوب المسترجعة في القرن العشرين لا الموانئ البرتغالية في القرن السادس عشر، ولا عنصر توثيقي يربط تاريخياً بين "الدلائل" وأحداث 1956-1975، كما أن عبارة "مطلع العصر الحديث" تحيل في الاستعمال العربي الشائع إلى القرن السادس عشر أكثر مما تحيل إلى القرن العشرين.
لكن ما تلتقطه هذه الفرضية هو استمرارية حقيقية: استمرارية بنية شرعية، قوامها البيعة والنسب الشريف والتعبئة الدينية والشعبية التي تتيحها هذه الشرعية، وقد استُحضرت مراراً عبر التاريخ المغربي في مواجهة احتلالات متعاقبة لواجهته الأطلسية. وسواء اعتُمدت القراءة الكلاسيكية أو القراءة التحليلية المطروحة أو كلتاهما معاً، تبقى ملاحظة واحدة قائمة: أن خطاباً يُلقى أمام العاهل المغربي، غداة منعطف دبلوماسي كبير في ملف الصحراء، يختار استحضار شخصية دينية من القرن الخامس عشر بدل حجة دبلوماسية أو قانونية صرفة. وهذا الاختيار يعكس الطريقة التي لا يزال بها المغرب المعاصر يستمد من عمقه الديني والتاريخي لبناء سرديته حول السيادة.
لا يُعدّ "دلائل الخيرات" كتاباً سياسياً ولا دليلاً حربياً. غير أن مساره التاريخي يبيّن كيف يمكن لنص ديني أن يتحول، عبر التكرار والتناقل والتملك الجماعي، إلى ما هو أبعد من مجرد كتاب: إلى ممارسة وذاكرة ولغة مشتركة. وسواء استحضره وزير الأوقاف، في 24 أغسطس 2026، للحديث عن برتغال القرن السادس عشر، أو عن إسبانيا الاستعمارية في القرن العشرين، أو عن استمرارية بين الحقبتين، فإن جوهر الأمر يكمن في هذا الاستحضار نفسه: فبعد ستة قرون من تأليفه، لا يزال مجموع من الأدعية حياً بما يكفي في الذاكرة المغربية ليُستحضر، أمام العاهل، كحجة على الاستمرارية الوطنية.
المصدر : https://www.aktab.ma/alsofy-fy-almghrb/i/97818357/...










