اختتمت في الرباط أعمال لقاءات إسلامية مسيحية حملت عنوانا يربط بين شخصية مريم وكونها مصدرا لإلهام العالم المعاصر، واستضافتها مؤسسة الحوار اللاهوتي والإنساني في مقرها بالعاصمة المغربية، بمشاركة شخصيات دينية وفكرية من المغرب وخارجه، تنتمي إلى المرجعيتين الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى باحثين مهتمين بقضايا التعايش الديني والعلاقات بين الأديان.
جاءت هذه اللقاءات امتدادا لتقليد حواري ترسخ خلال السنوات الأخيرة في المغرب، يقوم على جعل شخصيات ورموز مشتركة بين الديانات التوحيدية مدخلا لتقريب الرؤى، وفي مقدمتها شخصية مريم التي تحظى بمكانة خاصة في الوعيين الإسلامي والمسيحي، سواء في النصوص المؤسسة أو في الوجدان الشعبي. وقد ركز المؤتمرون على قراءة متعددة الزوايا لهذه الشخصية، تجمع بين البعدين الروحي والرمزي، وبين حضورها في النصوص وبين ما يمكن أن تمثله من إمكانات جديدة لبناء ثقافة اللقاء في زمن تتصاعد فيه توترات الهوية والقراءات المتشددة للدين.
البرمجة التي امتدت على مدى أيام تضمنت جلسات فكرية تأطيرية تناولت مريم في النص القرآني والإنجيلي، ومحاضرات قاربت صورتها في التراثين التفسيري واللاهوتي، إلى جانب شهادات شخصية قدّمها مشاركون من خلفيات متنوعة تحدثوا عن علاقتهم الفردية بهذه الشخصية وعن الكيفية التي تسهم بها في تشكيل مساراتهم الروحية واختياراتهم الإنسانية. كما عرفت اللقاءات فضاءات حوار مفتوح بين الحضور، أتيحت فيها إمكانات النقاش المباشر حول أسئلة الإيمان والاختلاف والتعايش، بعيدا عن الصيغ الأكاديمية الصرفة أو المقاربات الجدلية الضيقة.
وحرص المنظمون، وفق ما جرى تداوله خلال الجلسة الختامية، على إبراز البعد العملي لهذه المبادرة، من خلال التأكيد على أن استحضار شخصية مريم ليس اشتغالا رمزيا مجردا، بل محاولة لاستثمار رصيدها المشترك في دعم ديناميات المصالحة مع الذات والآخر داخل المجتمعات المتعددة، وفي تعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة أمام تحديات عالم يتقاطع فيه الديني بالاجتماعي والسياسي. وتوقف عدد من المتدخلين عند ما توفره سيرة مريم، كما تُروى في التقاليد الدينية المختلفة، من نماذج للصبر والثقة والتسليم، يمكن أن تُقرأ اليوم بوصفها موارد أخلاقية في مواجهة مشاعر الخوف وعدم اليقين التي تغذيها الأزمات المتلاحقة.
على امتداد المداخلات، برز محور المقارنة بين حضور مريم في الوعي الإسلامي وفي المخيال المسيحي بوصفه مجالا خصبا لبناء لغة مشتركة جديدة بين المؤمنين من الديانتين، حيث تمت الإشارة إلى أن الاحترام المتبادل لهذه الشخصية يمكن أن يشكل نقطة التقاء عملية، أوسع من الحوار النظري حول العقائد، عبر تشجيع مبادرات مشتركة ذات طابع تربوي وثقافي واجتماعي موجهة إلى فئات الشباب والفاعلين المحليين. كما طُرحت فكرة تطوير برامج زيارات متبادلة لأماكن العبادة والفضاءات الروحية التي تحضر فيها مريم، بما يسمح بتجربة ملموسة لقيم الاستماع المتبادل وإعادة اكتشاف الآخر خارج الصور النمطية.
الجلسة الختامية للقاءات شهدت تقييما أوليا للتجربة، حيث اعتبر المشاركون أن اختيار الرباط لاحتضان هذه التظاهرة ينسجم مع المسار الذي راكمه المغرب في مجال النهوض بثقافة الحوار الديني ومبادرات التقريب بين المرجعيات الروحية المختلفة، من خلال مؤسساته العلمية والدينية الرسمية، وكذا عبر ديناميكية المجتمع المدني. وتم التأكيد على أن استمرارية هذه اللقاءات، وانتقالها من مستوى الحوار الفكري إلى شراكات عملية ملموسة، يعدان شرطا أساسيا لتحويل الرموز المشتركة، وفي مقدمتها مريم، إلى رافعة عملية لإعادة بناء الثقة في زمن تتزايد فيه أشكال الاستقطاب وسوء الفهم المتبادل.
ورغم أن اللقاءات انتهت زمنيا، فإن النقاشات التي شهدتها تركت لدى عدد من المشاركين انطباعا بضرورة مواصلة الاشتغال على موضوع مريم بوصفه مدخلا مستقبليا لإطلاق مسارات بحثية وحوارية جديدة، تجمع بين الخبرة الأكاديمية والتجربة الروحية، وتربط بين الفاعلين الدينيين ومؤسسات التعليم والإعلام والثقافة. وتردد خلال كلمات الاختتام أن قيمة مثل هذه المبادرات تقاس بقدرتها على إنتاج لغة هادئة حول القضايا الحساسة، وعلى مراكمة مساحات مشتركة صغيرة ولكن متواصلة، تسمح بإعادة بناء سرديات أقل تصادمية حول العلاقة بين الإسلام والمسيحية في عالم يبحث عن صيغ جديدة للتعايش تتجاوز منطق التجاذب والصراع.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/95980729/khatm-allka...

فشل السلاح الصيني في فنزويلا وإيران يربك حسابات بكين
