شهدت مدينة الدار البيضاء تنظيم لقاء جديد ضمن «حوارات التعدد» التي يحتضنها مسجد الحسن الثاني، بمشاركة ممثلين عن ديانات وتيارات فكرية مختلفة، في محاولة لإرساء فضاء منتظم للنقاش حول قضايا العيش المشترك والتنوع الديني والفكري في المغرب المعاصر. جاء اللقاء في صيغة جلسة حوارية مفتوحة، تدرج فيها المتدخلون من المداخل التأملية العامة إلى أمثلة عملية تتعلق بتمثل الآخر، وحدود الاختلاف، وإمكان بناء لغة مشتركة بين مرجعيات دينية وفلسفية متعددة.
ركز المتحدثون على إبراز تجربة المغرب في إدارة التعدد الديني والمذهبي، وعلى الدور الرمزي والمؤسسي لمسجد الحسن الثاني كمكان يحمل حمولة روحية ووطنية في آن واحد، ما جعل اختياره لاحتضان «حوارات التعدد» إشارة إلى الرغبة في نقل النقاش حول التعايش من المستوى النظري إلى فضاء ملموس ومفتوح على العموم. وتم تقديم المبادرة بوصفها مسعى لتثبيت تقليد دوري، يتيح لفاعلين دينيين ومثقفين وخبراء في العلوم الإنسانية تبادل الرؤى حول التحولات التي تعرفها المجتمعات، وخصوصا ما يرتبط منها بالهجرة، والتنوع الثقافي، والتوترات العابرة للحدود التي تغذي أحيانا قراءات متشددة للهوية.
أحد المحاور الأساسية في هذا اللقاء انصب على معنى «الأخوة في الاختلاف»، حيث شدد المتدخلون على أن اختلاف المعتقد أو الخلفية الفكرية لا يمنع من بناء روابط إنسانية متينة تقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بكرامة كل فرد، مع استحضار التاريخ الطويل للتعايش بين مكونات المجتمع المغربي، بما في ذلك الحضور اليهودي والمسيحي إلى جانب الأغلبية المسلمة. وتم التأكيد على أن استحضار هذا الرصيد التاريخي لا يهدف إلى تقديم صورة مثالية، بل إلى استلهام اللحظات التي استطاع فيها المجتمع احتضان تنوعه ضمن أطر قانونية واجتماعية واضحة.
الحوار لم يقتصر على الخطاب الديني؛ إذ تم التوقف أيضا عند الأسئلة الفلسفية التي يطرحها التعدد في الفضاء العام، من قبيل كيفية الموازنة بين حرية المعتقد والمرجعية القانونية الوطنية، وكيف يمكن للتربية والإعلام أن يسهما في تخفيف الأحكام المسبقة وبناء حس نقدي لا ينزلق إلى الإقصاء أو التعميم. وأثيرت كذلك مسألة اللغة التي يستعملها الفاعلون الدينيون عند مخاطبة الجمهور، والحاجة إلى ابتعاد الخطاب عن المصطلحات التي قد تعمق المسافات بين الأفراد بدل أن تفتح إمكانات التعارف والتقارب.
في هذا السياق، برزت مساهمات الحضور المسيحي واليهودي إلى جانب متحدثين مسلمين، حيث تم استحضار تجارب شخصية في الحوار بين الأديان، سواء داخل المغرب أو في الفضاء المتوسطي الأوسع، مع الإشارة إلى مبادرات سابقة في مدن مغربية أخرى سعت إلى بناء جسور بين رجال دين وباحثين وأكاديميين. وأكد المتدخلون أن هذه اللقاءات لا ترمي إلى طمس الفوارق العقدية أو دمج المرجعيات في قالب واحد، بقدر ما تستهدف إدارة هذه الفوارق بطريقة سلمية وعقلانية تسمح بالتعاون في القضايا المشتركة مثل العدالة الاجتماعية، والبيئة، والسلم الأهلي.
توقف النقاش كذلك عند دور الشباب في تجديد مقاربات العيش المشترك، حيث جرى التنبيه إلى تأثير الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل الصور المتبادلة بين الأفراد والجماعات. وتم طرح فكرة تشجيع مبادرات شبابية موازية لـ«حوارات التعدد»، تعتمد على منتديات رقمية وورشات حضورية، بما يتيح للأجيال الجديدة التعبير عن رؤيتها للتعدد، بعيدا عن الاستقطابات الحادة أو الخطابات التي تحصر الآخر في قوالب جاهزة.
كما تناول اللقاء البعد القانوني والمؤسساتي، مع التذكير بالمقتضيات الدستورية التي تنص على احترام الحريات الفردية، وبتجارب هيئات دينية وفكرية حاولت في السنوات الماضية بلورة مقاربات عملية للتعامل مع الأسئلة المرتبطة بالأقليات الدينية والضميرية. وأشير إلى أن النقاش حول هذه المسائل يظل مفتوحا، وأن مثل هذه الفضاءات الحوارية يمكن أن تواكب النقاش التشريعي والقضائي من خلال تقديم قراءات معرفية هادئة للتحديات المطروحة، بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية.
في ختام الجلسة، طُرح سؤال استمرارية هذه الدينامية وإمكان توسعها نحو مدن أخرى، مع اقتراح أن تتحول «حوارات التعدد» إلى مسار طويل الأمد، يتدرج من اللقاءات العامة إلى مجموعات عمل أكثر تخصصا تعالج قضايا بعينها كالتربية الدينية في المدارس، أو حضور الدين في الإعلام، أو الخطاب الديني في الفضاء الرقمي. وتم التشديد على أن نجاح هذه المبادرة يبقى رهينا بقدرتها على الحفاظ على طابعها المفتوح، واستقطاب أصوات متنوعة، وتجنب الانغلاق في دوائر نخبوية ضيقة، حتى تتمكن من ملامسة الأسئلة الفعلية المطروحة داخل المجتمع.
المصدر : https://www.soubha.com/news/i/96247273/dialogues-t...

ستة وثلاثون مسجداً فرنسياً تعرضت للحريق خلال عقد
